فصل: تفسير الآيات رقم (41- 48)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏35- 36‏]‏

‏{‏إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ‏(‏35‏)‏ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ‏(‏36‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ المسلمين‏}‏ بدأ سبحانه بذكر الإسلام الذي هو مجرّد الدخول في الدين والانقياد له مع العمل، كما ثبت في الحديث الصحيح‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل عن الإسلام قال‏:‏ «هو أن تشهد أن لا إله إلا الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان» ثم عطف على المسلمين ‏{‏المسلمات‏}‏ تشريفاً لهنّ بالذكر، وهكذا فيما بعد وإن كنّ داخلات في لفظ المسلمين والمؤمنين ونحو ذلك‏.‏ والتذكير إنما هو لتغليب الذكور على الإناث كما في جميع ما ورد في الكتاب العزيز من ذلك‏.‏ ثم ذكر ‏{‏المؤمنين والمؤمنات‏}‏ وهم من يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشرّه كما ثبت ذلك في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ والقانت‏:‏ العابد المطيع، وكذا القانتة‏.‏ وقيل‏:‏ المداومين على العبادة والطاعة‏.‏ والصادق والصادقة هما من يتكلم بالصدق، ويتجنب الكذب ويفي بما عوهد عليه‏.‏ والصابر والصابرة هما من يصبر عن الشهوات وعلى مشاق التكليف، والخاشع والخاشعة هما المتواضعان لله الخائفان منه الخاضعان في عباداتهم لله‏.‏ والمتصدّق والمتصدّقة هما من تصدّق من ماله بما أوجبه الله عليه‏.‏ وقيل‏:‏ ذلك أعمّ من صدقة الفرض والنفل، وكذلك الصائم والصائمة، قيل‏:‏ ذلك مختصّ بالفرض، وقيل‏:‏ هو أعمّ‏.‏ والحافظ والحافظة لفرجيهما عن الحرام بالتعفف والتنزّه، والاقتصار على الحلال‏.‏ والذاكر والذاكرة هما من يذكر الله على أحواله، وفي ذكر الكثرة دليل على مشروعية الاستكثار من ذكر الله سبحانه بالقلب واللسان، واكتفى في الحافظات بما تقدّم في الحافظين من ذكر الفروج، والتقدير‏:‏ والحافظين فروجهم والحافظات فروجهن، وكذا في الذاكرات، والتقدير‏:‏ والذاكرين الله كثيراً والذاكرات الله كثيراً، والخبر لجميع ما تقدّم هو قوله‏:‏ ‏{‏أَعَدَّ الله لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً‏}‏ أي مغفرة لذنوبهم التي أذنبوها، وأجراً عظيماً على طاعاتهم التي فعلوها من الإسلام والإيمان، والقنوت، والصدق والصبر والخشوع، والتصدق والصوم والعفاف والذكر‏.‏ ووصف الأجر بالعظم للدلالة على أنه بالغ غاية المبالغ، ولا شيء أعظم من أجر هو الجنة ونعيمها الدائم الذي لا ينقطع ولا ينفد، اللهم اغفر ذنوبنا وأعظم أجورنا‏.‏

‏{‏وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ‏}‏ أي ما صحّ ولا استقام لرجل ولا امرأة من المؤمنين، ولفظ ما كان وما ينبغي ونحوهما معناها‏:‏ المنع والحظر من الشيء والإخبار بأنه لا يحل أن يكون شرعاً، وقد يكون لما يمتنع عقلاً كقوله‏:‏ ‏{‏مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 60‏]‏ ومعنى الآية‏:‏ أنه لا يحلّ لمن يؤمن بالله إذا قضى الله أمراً أن يختار من أمر نفسه ما شاء، بل يجب عليه أن يذعن للقضاء، ويوقف نفسه تحت ما قضاه الله عليه واختاره له، وجمع الضميرين في قوله‏:‏ ‏{‏لهم‏}‏ و‏{‏من أمرهم‏}‏‏:‏ لأن مؤمن ومؤمنة وقعا في سياق النفي فهما يعمان كل مؤمن ومؤمنة‏.‏

قرأ الكوفيون‏:‏ ‏{‏أن يكون‏}‏ بالتحتية، واختار هذه القراءة أبو عبيد لأنه قد فرّق بين الفعل وفاعله المؤنث بقوله‏:‏ ‏{‏لهم‏}‏ مع كون التأنيث غير حقيقي، وقرأ الباقون بالفوقية لكونه مسنداً إلى الخيرة وهي مؤنثة لفظاً‏.‏ والخيرة مصدر بمعنى الاختيار‏.‏ وقرأ ابن السميفع «الخيرة» بسكون التحتية، والباقون بتحريكها‏.‏ ثم توعد سبحانه من لم يذعن لقضاء الله وقدره، فقال‏:‏ ‏{‏وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ‏}‏ في أمر من الأمور، ومن ذلك عدم الرضا بالقضاء ‏{‏فَقَدْ ضَلَّ ضلالا مُّبِيناً‏}‏ أي ضلّ عن طريق الحق ضلالاً ظاهراً واضحاً لا يخفى‏.‏

وقد أخرج أحمد والنسائي وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن أمّ سلمة قالت‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله، مالنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال‏؟‏ فلم يرعني منه ذات يوم إلا نداؤه على المنبر وهو يقول‏:‏ «إن الله يقول‏:‏ ‏{‏إِنَّ المسلمين والمسلمات‏}‏» إلى آخر الآية‏.‏ وروي نحو هذا عنها من طريق أخرى أخرجها الفريابي وابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه‏.‏ وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، والطبراني وابن مردويه عن أمّ عمارة الأنصارية؛ أنها أتت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ ما أرى كلّ شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء‏؟‏ فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏إِنَّ المسلمين والمسلمات‏}‏‏.‏ وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه بإسناد، قال السيوطي‏:‏ حسن، عن ابن عباس قال‏:‏ قالت النساء‏:‏ يا رسول الله ما باله يذكر المؤمنين ولا يذكر المؤمنات‏؟‏ فنزلت‏:‏ ‏{‏إِنَّ المسلمين والمسلمات‏}‏ الآية‏.‏

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة، فدخل على زينب بنت جحش الأسدية، فخطبها، قالت‏:‏ لست بناكحته، قال‏:‏ «بلى فانكحيه»، قالت‏:‏ يا رسول الله، أؤامر نفسي، فبينما هما يتحدّثان أنزل الله هذه الآية على رسوله‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ‏}‏ الآية، قالت‏:‏ قد رضيته لي يا رسول الله منكحاً‏؟‏ قال‏:‏ «نعم»، قالت‏:‏ إذن لا أعصي رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنكحته نفسي‏.‏ وأخرج نحوه عنه ابن جرير من طريق أخرى‏.‏ وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزينب‏:‏ «إني أريد أن أزوّجك زيد بن حارثة فإني قد رضيته لك»، قالت‏:‏ يا رسول الله، لكني لا أرضاه لنفسي، وأنا أيم قومي وبنت عمتك فلم أكن لأفعل، فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ‏}‏ يعني‏:‏ زيداً ‏{‏وَلاَ مُؤْمِنَةٍ‏}‏ يعني‏:‏ زينب ‏{‏إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً‏}‏ يعني النكاح في هذا الموضع ‏{‏أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ‏}‏ يقول‏:‏ ليس لهم الخيرة من أمرهم خلاف ما أمر الله به ‏{‏وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضلالا مُّبِيناً‏}‏ قالت‏:‏ قد أطعتك فاصنع ما شئت، فزوّجها زيداً ودخل عليها‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال‏:‏ نزلت في أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت أوّل امرأة هاجرت فوهبت نفسها للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فزوّجها زيد بن حارثة فسخطت هي وأخوها وقالا‏:‏ إنما أردنا رسول الله فزوّجنا عبده‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏37- 40‏]‏

‏{‏وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ‏(‏37‏)‏ مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ‏(‏38‏)‏ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ‏(‏39‏)‏ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ‏(‏40‏)‏‏}‏

لما زوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة بزينب بنت جحش كما مرّ في تفسير الآية التي قبل هذه أنزل الله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنعَمَ الله عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ‏}‏ أي واذكر إذ تقول للذي أنعم الله عليه وهو زيد بن حارثة، أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أعتقه من الرق، وكان من سبي الجاهلية اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية وأعتقه وتبناه، وسيأتي في بيان سبب نزول الآية في آخر البحث ما يوضح المراد منها‏.‏ قال القرطبي‏:‏ وقد اختلف في تأويل هذه الآية، فذهب قتادة وابن زيد وجماعة من المفسرين منهم ابن جرير الطبري وغيره إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم وقع منه استحسان لزينب بنت جحش وهي في عصمة زيد، وكان حريصاً على أن يطلقها زيد فيتزوّجها هو، ثم إن زيداً لما أخبره بأنه يريد فراقها ويشكو منها غلظة قول وعصيان أمر وأذى باللسان وتعظماً بالشرف قال له‏:‏ «اتق الله فيما تقول عنها وأمسك عليك زوجك»، وهو يخفي الحرص على طلاق زيد إياها، وهذا الذي كان يخفي في نفسه ولكنه لزم ما يجب من الأمر بالمعروف‏.‏ انتهى‏.‏ ‏{‏أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ‏}‏ يعني زينب ‏{‏واتق الله‏}‏ في أمرها، ولا تعجل بطلاقها ‏{‏وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ‏}‏ وهو نكاحها إن طلقها زيد‏.‏ وقيل‏:‏ حبها ‏{‏وَتَخْشَى الناس‏}‏ أي تستحييهم، أو تخاف من تعبيرهم بأن يقولوا أمر مولاه بطلاق امرأته ثم تزوّجها ‏{‏والله أَحَقُّ أَن تخشاه‏}‏ في كل حال وتخاف منه وتستحييه والواو للحال، أي تخفي في نفسك ذلك الأمر مخافة من الناس‏.‏ ‏{‏فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً‏}‏ قضاء الوطر في اللغة‏:‏ بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء، يقال‏:‏ قضى وطرا منه‏:‏ إذا بلغ ما أراد من حاجته فيه، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة‏:‏

أيها الرائح المجدّ ابتكارا *** قد قضى من تهامة الأوطارا

أي فرغ من أعمال الحج وبلغ ما أراد منه‏.‏ والمراد هنا‏:‏ أنه قضى وطره منها بنكاحها والدخول بها بحيث لم يبق له فيها حاجة‏.‏ وقيل‏:‏ المراد به‏:‏ الطلاق؛ لأن الرجل إنما يطلق امرأته إذا لم يبق له فيها حاجة‏.‏ وقال المبرد‏:‏ الوطر‏:‏ الشهوة والمحبة، وأنشد‏:‏

وكيف ثوائي بالمدينة بعد ما *** قضى وطراً منها جميل بن معمر

وقال أبو عبيدة‏:‏ الوطر‏:‏ الأرب والحاجة، وأنشد قول الفزاري‏:‏

ودّعنا قبل أن نودّعه *** لما قضى من شبابنا وطرا

قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏زوجناكها‏}‏ وقرأ عليّ وابناه الحسن والحسين زوّجتكها فلما أعلمه الله بذلك دخل عليها بغير إذن ولا عقد ولا تقدير صداق ولا شيء مما هو معتبر في النكاح في حق أمته‏.‏

وقيل‏:‏ المراد به‏.‏ الأمر له بأن يتزوّجها‏.‏ والأوّل أولى، وبه جاءت الأخبار الصحيحة‏.‏ ثم علل سبحانه ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ‏}‏ أي ضيق ومشقة ‏{‏فِى أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ‏}‏ أي في التزوّج بأزواج من يجعلونه ابناً كما كانت تفعله العرب فإنهم كانوا يتبنون من يريدون، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيد بن حارثة، فكان يقال‏:‏ زيد بن محمد، حتى نزل قوله سبحانه ‏{‏ادعوهم لاِبَائِهِمْ‏}‏ وكانت العرب تعتقد أنه يحرم عليه نساء من تبنوه، كما تحرم عليه نساء أبنائهم حقيقة‏.‏ والأدعياء جمع دعيّ، وهو الذي يدعي ابناً من غير أن يكون ابناً على الحقيقة، فأخبرهم الله أن نساء الأدعياء حلال لهم ‏{‏إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً‏}‏ بخلاف ابن الصلب، فإن امرأته تحرّم على أبيه بنفس العقد عليها ‏{‏وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً‏}‏ أي كان قضاء الله في زينب أن يتزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم قضاء ماضياً مفعولاً لا محالة‏.‏

ثم بيّن سبحانه‏:‏ أنه لم يكن على رسول الله صلى الله عليه وسلم حرج في هذا النكاح، فقال‏:‏ ‏{‏مَّا كَانَ عَلَى النبي مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ الله لَهُ‏}‏ أي فيما أحلّ الله له وقدّره وقضاه، يقال فرض له كذا، أي قدّر له ‏{‏سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ‏}‏ أي إن هذا هو السنن الأقدم في الأنبياء والأمم الماضية أن ينالوا ما أحله الله لهم من أمر النكاح وغيره ‏{‏وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً‏}‏ أي قضاء مقضياً‏.‏ قال مقاتل‏:‏ أخبر الله أن أمر زينب كان من حكم الله وقدره، وانتصاب ‏{‏سنة‏}‏ على المصدر، أي سنّ الله سنة الله، أو اسم وضع موضع المصدر أو منصوب بجعل أو بالإغراء‏.‏ وردّه أبو حيان بأن عامل الإغراء لا يحذف‏.‏

ثم ذكر سبحانه الأنبياء الماضين وأثنى عليهم فقال‏:‏ ‏{‏الذين يُبَلّغُونَ رسالات الله‏}‏ والموصول في محلّ جر صفة ‏{‏للذين خلوا‏}‏ أو منصوب على المدح، مدحهم سبحانه بتبليغ ما أرسلهم به إلى عباده وخشيته في كل فعل وقول، ولا يخشون سواه، ولا يبالون بقول الناس ولا بتعييرهم، بل خشيتهم مقصورة على الله سبحانه ‏{‏وكفى بالله حَسِيباً‏}‏ حاضراً في كل مكان يكفي عباده كل ما يخافونه، أو محاسباً لهم في كل شيء‏.‏

ولما تزوّج صلى الله عليه وسلم زينب قال الناس‏:‏ تزوّج امرأة ابنه، فأنزل الله ‏{‏مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ‏}‏ أي ليس بأب لزيد ابن حارثة على الحقيقة حتى تحرم عليه زوجته، ولا هو أب لأحد لم يلده‏.‏

قال الواحدي‏:‏ قال المفسرون‏:‏ لم يكن أبا أحد لم يلده، وقد ولد له من الذكور إبراهيم والقاسم والطيب والمطهر‏.‏ قال القرطبي‏:‏ ولكن لم يعش له ابن حتى يصير رجلاً‏.‏ قال‏:‏ وأما الحسن والحسين فكانا طفلين ولم يكونا رجلين معاصرين له ‏{‏ولكن رَّسُولَ الله‏}‏ قال الأخفش والفراء‏:‏ ولكن كان رسول الله، وأجازا الرفع‏.‏ وكذا قرأ ابن أبي عبلة بالرفع في رسول وفي خاتم على معنى‏:‏ ولكن هو رسول الله وخاتم النبيين، وقرأ الجمهور بتخفيف ‏{‏لكن‏}‏، ونصب ‏{‏رسول‏}‏ و‏{‏خاتم‏}‏، ووجه النصب على خبرية كان المقدرة كما تقدّم، ويجوز أن يكون بالعطف على ‏{‏أبا أحد‏}‏‏.‏ وقرأ أبو عمرو في رواية عنه بتشديد «لكن» ونصب ‏{‏رسول‏}‏ على أنه اسمها وخبرها محذوف، أي ولكن رسول الله هو‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ «خاتم» بكسر التاء‏.‏ وقرأ عاصم بفتحها‏.‏ ومعنى القراءة الأولى‏:‏ أنه ختمهم، أي جاء آخرهم‏.‏ ومعنى القراءة الثانية‏:‏ أنه صار كالخاتم لهم الذي يتختمون به ويتزينون بكونه منهم‏.‏ وقيل‏:‏ كسر التاء وفتحها لغتان‏.‏ قال أبو عبيد‏:‏ الوجه الكسر؛ لأن التأويل‏:‏ أنه ختمهم فهو‏:‏ خاتمهم، وأنه قال‏:‏ «أنا خاتم النبيين»، وخاتم الشيء آخره، ومنه قولهم‏:‏ خاتمة المسك‏.‏ وقال الحسن‏:‏ الخاتم هو الذي ختم به ‏{‏وَكَانَ الله بِكُلّ شَيْء عَلِيماً‏}‏ قد أحاط علمه بكل شيء، ومن جملة معلوماته هذه الأحكام المذكورة هنا‏.‏

وقد أخرج أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم عن أنس قال‏:‏ جاء زيد بن حارثة يشكو زينب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «اتق الله وأمسك عليك زوجك»، فنزلت‏:‏ ‏{‏وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ‏}‏ قال أنس‏:‏ فلو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً لكتم هذه الآية، فتزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة ‏{‏فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً زوجناكها‏}‏ فكانت تفخر على أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم تقول‏:‏ زوّجكنّ أهاليكنّ وزوّجني الله من فوق سبع سماوات‏.‏ وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وغيرهم عن أنس قال‏:‏ لما انقضت عدّة زينب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد‏:‏ «اذهب فاذكرها عليّ»، فانطلق، قال‏:‏ فلما رأيتها عظمت في صدري، فقلت‏:‏ يا زينب، أبشري أرسلني رسول الله يذكرك، قالت‏:‏ ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليها بغير إذن، ولقد رأيتنا حين دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعمنا عليها الخبز واللحم، فخرج الناس، وبقي رجال يتحدّثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعته، فجعل يتتبع حجر نسائه يسلم عليهنّ ويقولون‏:‏ يا رسول الله، كيف وجدت أهلك‏؟‏ فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبر، فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقى الستر بيني وبينه ونزل الحجاب ووعظ القوم بما وعظوا به

‏{‏لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 53‏]‏ الآية‏.‏

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عائشة قالت‏:‏ لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنعَمَ الله عَلَيْهِ‏}‏ يعني بالإسلام ‏{‏وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ‏}‏ يعني بالعتق ‏{‏أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً‏}‏ وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوّجها قالوا‏:‏ تزوّج حليلة ابنه، فأنزل الله ‏{‏مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ ولكن رَّسُولَ الله وَخَاتَمَ النبيين‏}‏، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبناه وهو صغير، فلبث حتى صار رجلاً يقال له زيد بن محمد، فأنزل الله ‏{‏ادعوهم لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله‏}‏ يعني‏:‏ أعدل عند الله‏.‏ وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي في قوله‏:‏ ‏{‏سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ‏}‏ قال‏:‏ يعني يتزوّج من النساء ما شاء هذا فريضة، وكان من قبل من الأنبياء هذا سنتهم، قد كان لسليمان بن داود ألف امرأة، وكان لداود مائة امرأة‏.‏ وأخرج ابن المنذر والطبراني عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏{‏سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ‏}‏ قال‏:‏ داود‏:‏ والمرأة التي نكح وزوجها واسمها اليسية، فذلك سنة في محمد وزينب ‏{‏وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً‏}‏ كذلك من سنته في داود والمرأة والنبي وزينب‏.‏

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ‏}‏ قال‏:‏ نزلت في زيد بن حارثة‏.‏ وأخرج أحمد ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «مثلي ومثل النبيين كمثل رجل بنى داراً، فانتهى إلاّ لبنة واحدة، فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة» وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن جابر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل ابتنى داراً فأكملها وأحسنها إلاّ موضع لبنة، فكان من دخلها فنظر إليها قال‏:‏ ما أحسنها إلاّ موضع اللبنة، فأنا موضع اللبنة حتى ختم بي الأنبياء» وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة نحوه‏.‏ وأخرج أحمد، والترمذي وصححه من حديث أبيّ بن كعب نحوه أيضاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏41- 48‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ‏(‏41‏)‏ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ‏(‏42‏)‏ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ‏(‏43‏)‏ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا ‏(‏44‏)‏ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ‏(‏45‏)‏ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ‏(‏46‏)‏ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا ‏(‏47‏)‏ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ‏(‏48‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً‏}‏ أمر سبحانه عباده بأن يستكثروا من ذكره بالتهليل والتحميد والتسبيح والتكبير وكل ما هو ذكر لله تعالى‏.‏ قال مجاهد‏:‏ هو أن لا ينساه أبداً، وقال الكلبي‏:‏ ويقال‏:‏ ذكراً كثيراً بالصلوات الخمس، وقال مقاتل‏:‏ هو التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير على كل حال ‏{‏وَسَبّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً‏}‏ أي نزّهوه عما لا يليق به في وقت البكرة ووقت الأصيل، وهما أوّل النهار وآخره، وتخصيصهما بالذكر لمزيد ثواب التسبيح فيهما‏.‏ وخصّ التسبيح بالذكر بعد دخوله تحت عموم قوله‏:‏ ‏{‏اذكروا الله‏}‏‏.‏ تنبيهاً على مزيد شرفه، وإنافة ثوابه على غيره من الأذكار‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بالتسبيح بكرة‏:‏ صلاة الفجر، وبالتسبيح أصيلاً‏:‏ صلاة المغرب‏.‏ وقال قتادة وابن جرير‏:‏ المراد‏:‏ صلاة الغداة، وصلاة العصر‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ أما بكرة‏:‏ فصلاة الفجر، وأما أصيلاً‏:‏ فصلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء‏.‏ قال المبرّد‏:‏ والأصيل العشيّ وجمعه أصائل‏.‏

‏{‏هُوَ الذي يُصَلّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ‏}‏ والصلاة من الله على العباد رحمته لهم وبركته عليهم، ومن الملائكة الدعاء لهم والاستغفار كما قال‏:‏ ‏{‏وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 7‏]‏ قال مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان‏:‏ المعنى‏:‏ ويأمر ملائكته بالاستغفار لكم، والجملة مستأنفة كالتعليل لما قبلها من الأمر بالذكر والتسبيح‏.‏ وقيل‏:‏ الصلاة من الله على العبد هي إشاعة الذكر الجميل له في عباده‏.‏ وقيل‏:‏ الثناء عليه، وعطف ملائكته على الضمير المستكن في يصلي لوقوع الفصل بقوله‏:‏ ‏{‏عليكم‏}‏ فأغنى ذلك عن التأكيد المراد بالضمير المنفصل‏.‏ والمراد بالصلاة هنا معنى مجازي يعمّ صلاة الله بمعنى الرحمة، وصلاة الملائكة بمعنى الدعاء؛ لئلا يجمع بين حقيقة ومجاز في كلمة واحدة، واللام في ‏{‏لِيُخْرِجَكُمْ مّنَ الظلمات إِلَى النور‏}‏ متعلق ب ‏{‏يصلي‏}‏، أي يعتني بأموركم هو وملائكته؛ ليخرجكم من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعات، ومن ظلمة الضلالة إلى نور الهدى، ومعنى الآية‏:‏ تثبيت المؤمنين على الهداية ودوامهم عليها؛ لأنهم كانوا وقت الخطاب على الهداية‏.‏ ثم أخبر سبحانه برحمته للمؤمنين تأنيساً لهم وتثبيتاً فقال‏:‏ ‏{‏وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً‏}‏ وفي هذه الجملة تقرير لمضمون ما تقدّمها‏.‏

ثم بيّن سبحانه‏:‏ أن هذه الرحمة منه لا تخص السامعين وقت الخطاب، بل هي عامة لهم ولمن بعدهم وفي الدار الآخرة، فقال‏:‏ ‏{‏تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سلام‏}‏ أي تحية المؤمنين من الله سبحانه يوم لقائهم له عند الموت أو عند البعث أو عند دخول الجنة، هي التسليم عليهم منه عزّ وجلّ‏.‏ وقيل‏:‏ المراد‏:‏ تحية بعضهم لبعض يوم يلقون ربهم سلام؛ وذلك لأنه كان بالمؤمنين رحيماً، فلما شملتهم رحمته وأمنوا من عقابه حيا بعضهم بعضاً سروراً واستبشاراً‏.‏ والمعنى‏:‏ سلامة لنا من عذاب النار‏.‏ قال الزجاج‏:‏ المعنى‏:‏ فيسلمهم الله من الآفات، ويبشرهم بالأمن من المخافات يوم يلقونه‏.‏

وقيل‏:‏ الضمير في ‏{‏يلقونه‏}‏ راجع إلى ملك الموت، وهو الذي يحييهم كما ورد أنه لا يقبض روح مؤمن إلاّ سلم عليه‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ هو تسليم الملائكة عليهم يوم يلقون الربّ كما في قوله‏:‏ ‏{‏والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ * سلام عَلَيْكُمُ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 23، 24‏]‏ ‏{‏وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً‏}‏ أي أعدّ لهم في الجنة رزقاً حسناً، ما تشتهيه أنفسهم وتلذه أعينهم‏.‏

ثم ذكر سبحانه صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أرسله لها فقال‏:‏ ‏{‏ياأيها النبي إِنَّا أرسلناك شَاهِداً‏}‏ أي على أمته يشهد لمن صدقه وآمن به، وعلى من كذبه وكفر به‏.‏ قال مجاهد‏:‏ شاهداً على أمته بالتبليغ إليهم وعلى سائر الأمم بتبليغ أنبيائهم إليهم ‏{‏وَمُبَشّراً‏}‏ للمؤمنين برحمة الله وبما أعدّه لهم من جزيل الثواب وعظيم الأجر ‏{‏وَنَذِيرًا‏}‏ للكافرين والعصاة بالنار، وبما أعدّه الله لهم من عظيم العقاب ‏{‏وَدَاعِياً إِلَى الله‏}‏ يدعو عباد الله إلى التوحيد والإيمان بما جاء به، والعمل بما شرعه لهم، ومعنى ‏{‏بِإِذْنِهِ‏}‏ بأمره له بذلك وتقديره‏.‏ وقيل‏:‏ بتبشيره ‏{‏وَسِرَاجاً مُّنِيراً‏}‏ أي يستضاء به في ظلم الضلالة كما يستضاء بالمصباح في الظلمة‏.‏ قال الزجاج‏:‏ ‏{‏وَسِرَاجاً‏}‏ أي ذا سراج منير أي كتاب نير، وانتصاب ‏{‏شاهداً‏}‏، وما بعده على الحال ‏{‏وَبَشّرِ المؤمنين‏}‏ عطف على مقدّر يقتضيه المقام كأنه قال‏:‏ فاشهد وبشّر، أو فدبر أحوال الناس، ‏{‏وَبَشّرِ المؤمنين‏}‏ أو هو من عطف جملة على جملة، وهي المذكورة سابقاً، ولا يمنع من ذلك الاختلاف بين الجملتين بالإخبار والإنشاء‏.‏ أمره سبحانه بأن يبشرهم بأن لهم من الله فضلاً كبيراً على سائر الأمم، وقد بيّن ذلك سبحانه بقوله‏:‏ ‏{‏والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي روضات الجنات لَهُمْ مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 22‏]‏ ثم نهاه سبحانه عن طاعة أعداء الدين فقال‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين‏}‏ أي لا تطعهم فيما يشيرون عليك به من المداهنة في الدين، وفي الآية تعريض لغيره من أمته؛ لأنه صلى الله عليه وسلم معصوم عن طاعتهم في شيء مما يريدونه ويشيرون به عليه، وقد تقدّم تفسير هذه الآية في أوّل السورة ‏{‏وَدَعْ أَذَاهُمْ‏}‏ أي لا تبال بما يصدر منهم إليك من الأذى بسبب يصيبك في دين الله وشدّتك على أعدائه، أو دع أن تؤذيهم مجازاة لهم على ما يفعلونه من الأذى لك، فالمصدر على الأوّل مضاف إلى الفاعل وعلى الثاني مضاف إلى المفعول، وهي منسوخة بآية السيف ‏{‏وَتَوَكَّلْ عَلَى الله‏}‏ في كل شؤونك ‏{‏وكفى بالله وَكِيلاً‏}‏ توكل إليه الأمور وتفوّض إليه الشؤون، فمن فوّض إليه أموره كفاه، ومن وكل إليه أحواله لم يحتج فيها إلى سواه‏.‏

وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً‏}‏ يقول‏:‏ لا يفرض على عباده فريضة إلاّ جعل لها أجلاً معلوماً، ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حداً ينتهي إليه ولم يعذر أحداً في تركه إلاّ مغلوباً على عقله، فقال‏:‏ ‏{‏فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 103‏]‏ بالليل والنهار، في البرّ والبحر، في السفر والحضر، في الغنى والفقر، في الصحة والسقم، في السرّ والعلانية وعلى كل حال، وقال‏:‏ ‏{‏وَسَبّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً‏}‏ إذا فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكته قال الله‏:‏ ‏{‏هُوَ الذي يُصَلّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ‏}‏‏.‏

وقد ورد في فضل الذكر والاستكثار منه أحاديث كثيرة، وقد صنّف في الأذكار المتعلقة بالليل والنهار جماعة من الأئمة كالنسائي والنووي والجزري وغيرهم، وقد نطقت الآيات القرآنية بفضل الذاكرين وفضيلة الذكر ‏{‏وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 45‏]‏ وقد ورد أنه أفضل من الجهاد، كما في حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد والترمذي والبيهقي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل‏:‏ أيّ العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة‏؟‏ قال‏:‏ «الذاكرون الله كثيراً» قلت‏:‏ يا رسول الله، ومن الغازي في سبيل الله‏؟‏ قال‏:‏ «لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دماً لكان الذاكرون أفضل منه درجة» وأخرج أحمد عن أبي الدرداء قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم‏؟‏» قالوا‏:‏ وما هو يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ «ذكر الله عزّ وجلّ» وأخرجه أيضاً الترمذي وابن ماجه‏.‏ وفي صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «سبق المفرّدون»، قالوا‏:‏ وما المفرّدون يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ «الذاكرون الله كثيراً» وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان، والحاكم وصححه، والبيهقي عن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «أكثروا ذكر الله حتى يقولوا‏:‏ مجنون» وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «اذكروا الله حتى يقول المنافقون‏:‏ إنكم مراؤون»‏.‏ وورد في فضل التسبيح بخصوصه أحاديث ثابتة في الصحيحين وغيرهما، فمن ذلك حديث أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من قال في يوم مائة مرّة سبحان الله وبحمده حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر» وأخرج أحمد ومسلم والترمذي وغيرهم عن سعد بن أبي وقاص قال‏:‏ كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لنا‏:‏

‏"‏ أيعجز أحدكم أن يكتسب في اليوم ألف حسنة‏؟‏ ‏"‏ فقال رجل‏:‏ كيف يكتسب أحدنا ألف حسنة‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏ يسبّح الله مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة ويحط عنه ألف خطيئة ‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في ذكر الموت، وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن البراء ابن عازب في قوله‏:‏ ‏{‏تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سلام‏}‏ قال‏:‏ يوم يلقون ملك الموت ليس من مؤمن يقبض روحه إلاّ سلم عليه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن ابن عباس قال‏:‏ لما نزلت ‏{‏ياأيها النبي إِنَّا أرسلناك شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً‏}‏ وقد كان أمر علياً ومعاذاً أن يسيرا إلى اليمن، فقال‏:‏ ‏"‏ انطلقا فبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، فإنها قد أنزلت عليّ ‏{‏ياأيها النبي إِنَّا أرسلناك شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً‏}‏ ‏"‏ قال‏:‏ شاهداً على أمتك، ومبشراً بالجنة، ونذيراً من النار، وداعياً إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله ‏{‏بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً‏}‏ بالقرآن‏.‏ وأخرج أحمد والبخاري وغيرهما عن عطاء بن يسار قال‏:‏ لقيت عبد الله ابن عمرو بن العاص فقلت‏:‏ أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة فقال‏:‏ أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفة في القرآن‏:‏ ‏{‏يا أيها النبيّ إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً‏}‏، وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل ليس بفظّ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا تجزي بالسيئة السيئة، ولكن تعفو وتصفح زاد أحمد‏:‏ «ولن يقبضه الله حتى يقيم الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلاّ الله، فيفتح بها أعينًا عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً»‏.‏ وقد ذكر البخاري في صحيحه في البيوع هذا الحديث فقال‏:‏ وقال سعيد عن هلال عن عطاء عن عبد الله بن سلام، ولم يقل‏:‏ عبد الله بن عمرو، وهذا أولى، فعبد الله بن سلام هو الذي كان يسأل عن التوراة فيخبر بما فيها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏49- 52‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ‏(‏49‏)‏ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آَتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏50‏)‏ تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آَتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا ‏(‏51‏)‏ لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا ‏(‏52‏)‏‏}‏

لما ذكر سبحانه قصة زيد، وطلاقه لزينب، وكان قد دخل بها، وخطبها النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد انقضاء عدتها كما تقدّم، خاطب المؤمنين مبيناً لهم حكم الزوجة إذا طلقها زوجها قبل الدخول فقال‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات‏}‏ أي عقدتم بهنّ عقد النكاح، ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله إلاّ في معنى العقد كما قاله صاحب الكشاف والقرطبي وغيرهما‏.‏

وقد اختلف في لفظ النكاح هل هو حقيقة في الوطء، أو في العقد، أو فيهما على طريقة الاشتراك‏؟‏ وكلام صاحب الكشاف في هذا الموضع يشعر بأنه حقيقة في الوطء، فإنه قال‏:‏ النكاح الوطء، وتسمية العقد نكاحاً لملابسته له من حيث أنه طريق إليه، ونظيره تسمية الخمر إثماً؛ لأنها سبب في اقتراف الإثم‏.‏ ومعنى ‏{‏مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ‏}‏‏:‏ من قبل أن تجامعوهنّ، فكنى عن ذلك بلفظ المس ‏{‏فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا‏}‏ وهذا مجمع عليه كما حكى ذلك القرطبي وابن كثير، ومعنى ‏{‏تعتدّونها‏}‏‏:‏ تستوفون عددها، من عددت الدراهم، فأنا أعتدّها‏.‏ وإسناد ذلك إلى الرجال للدلالة على أن العدّة حق لهم كما يفيده ‏{‏فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ‏}‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏تعتدّونها‏}‏ بتشديد الدال، وقرأ ابن كثير في رواية عنه وأهل مكة بتخفيفها‏.‏ وفي هذه القراءة وجهان‏:‏ أحدهما‏:‏ أن تكون بمعنى الأولى، مأخوذة من الاعتداد، أي تستوفون عددها، ولكنهم تركوا التضعيف لقصد التخفيف‏.‏ قال الرازي‏:‏ ولو كان من الاعتداء الذي هو الظلم لضعف؛ لأن الاعتداء يتعدّى بعلى‏.‏ وقيل‏:‏ يجوز أن يكون من الاعتداء بحذف حرف الجرّ، أي تعتدّون عليها، أي على العدّة مجازاً، ومثله قوله‏:‏

تحنّ فتبدي ما بها من صبابة *** وأخفى الذي لولا الأسى لقضاني

أي لقضى عليّ‏.‏ والوجه الثاني‏:‏ أن يكون المعنى‏:‏ تعتدون فيها، والمراد بالاعتداء هذا هو ما في قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لّتَعْتَدُواْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 231‏]‏ فيكون معنى الآية على القراءة الآخرة‏:‏ فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدّون عليهنّ فيها بالمضارة‏.‏ وقد أنكر ابن عطية صحة هذه القراءة عن ابن كثير وقال‏:‏ إن البزيّ غلط عليه، وهذه الآية مخصصة لعموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثلاثة قُرُوء‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 228‏]‏ وبقوله‏:‏ ‏{‏واللائي يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نّسَائِكُمْ إِنِ ارتبتم فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أَشْهُرٍ‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 4‏]‏‏.‏ والمتعة المذكورة هنا قد تقدّم الكلام فيها في البقرة وقال سعيد بن جبير‏:‏ هذه المتعة المذكورة هنا منسوخة بالآية التي في البقرة، وهي قوله‏:‏ ‏{‏وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 237‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ المتعة هنا هي أعمّ من أن تكون نصف الصداق، أو المتعة خاصة إن لم يكن قد سمي لها، فمع التسمية للصداق تستحق نصف المسمى عملاً بقوله‏:‏

‏{‏فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 237‏]‏ ومع عدم التسمية تستحق المتعة عملاً بهذه الآية، ويؤيد ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النساء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتّعُوهُنَّ عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 236‏]‏ وهذا الجمع لا بدّ منه، وهو مقدّم على الترجيح وعلى دعوى النسخ، وتخصص من هذه الآية المتوفى عنها زوجها، فإنه إذا مات بعد العقد عليها وقبل الدخول بها كان الموت كالدخول فتعتدّ أربعة أشهر وعشراً‏.‏ قال ابن كثير‏:‏ بالإجماع، فيكون المخصص هو الإجماع‏.‏

وقد استدلّ بهذه الآية القائلون بأنه لا طلاق قبل النكاح، وهم الجمهور، وذهب مالك وأبو حنيفة إلى صحة الطلاق قبل النكاح إذا قال‏:‏ إن تزوّجت فلانة فهي طالق، فتطلق إذا تزوّجها‏.‏ ووجه الاستدلال بالآية لما قاله الجمهور أنه قال‏:‏ ‏{‏إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ‏}‏ فعقب الطلاق بالنكاح بلفظ ثم المشعرة بالترتيب والمهلة‏.‏ ‏{‏وَسَرّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً‏}‏ أي أخرجوهنّ من منازلكم؛ إذ ليس لكم عليهنّ عدّة‏.‏ والسراح الجميل الذي لا ضرار فيه، وقيل السراح الجميل أن لا يطالبها بما كان قد أعطاها، وقيل‏:‏ السراح الجميل هنا كناية عن الطلاق، وهو بعيد لأنه قد تقدّم ذكر الطلاق ورتب عليه التمتيع وعطف عليه السراح الجميل، فلا بدّ أن يراد به معنى غير الطلاق‏.‏ ‏{‏ياأيها النبي إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك اللاتي ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنّ‏}‏ ذكر سبحانه في هذه الآية أنواع الأنكحة التي أحلها لرسوله، وبدأ بأزواجه اللاتي قد أعطاهنّ أجورهنّ، أي مهورهنّ، فإن المهور أجور الأبضاع، وإيتاؤها‏:‏ إما تسليمها معجلة أو تسميتها في العقد‏.‏

واختلف في معنى قوله‏:‏ ‏{‏أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك‏}‏ فقال ابن زيد، والضحاك‏:‏ إن الله أحلّ له أن يتزوّج كل امرأة يؤتيها مهرها، فتكون الآية مبيحة لجميع النساء ما عدا ذوات المحارم‏.‏ وقال الجمهور‏:‏ المراد أحللنا لك أزواجك الكائنات عندك؛ لأنهنّ قد اخترنك على الدنيا وزينتها، وهذا هو الظاهر؛ لأن قوله‏:‏ ‏{‏أحللنا‏}‏، و‏{‏آتيت‏}‏ ماضيان، وتقييد الإحلال بإيتاء الأجور ليس لتوقف الحلّ عليه، لأنه يصح العقد بلا تسمية، ويجب مهر المثل مع الوطء، والمتعة مع عدمه، فكأنه لقصد الإرشاد إلى ما هو أفضل ‏{‏وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْكَ‏}‏ أي‏:‏ السراري اللاتي دخلن في ملكه بالغنيمة‏.‏ ومعنى ‏{‏مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْكَ‏}‏ مما ردّه الله عليك من الكفار بالغنيمة لنسائهم المأخوذات على وجه القهر والغلبة، وليس المراد بهذا القيد إخراج ما ملكه بغير الغنيمة، فإنها تحلّ له السرية المشتراة، والموهوبة، ونحوهما، ولكنه إشارة إلى ما هو أفضل كالقيد الأوّل المصرّح بإيتاء الأجور، وهكذا قيد المهاجرة في قوله‏:‏ ‏{‏وَبَنَاتِ عَمّكَ وَبَنَاتِ عماتك وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خالاتك اللاتي هاجرن مَعَكَ‏}‏ فإنه للإشارة إلى ما هو أفضل، وللإيذان بشرف الهجرة، وشرف من هاجر، والمراد بالمعية هنا الاشتراك في الهجرة لا في الصحبة فيها‏.‏

وقيل‏:‏ إن هذا القيد‏:‏ أعني المهاجرة معتبر، وأنها لا تحلّ له من لم تهاجر من هؤلاء كما في قوله‏:‏ ‏{‏والذين ءامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُوا‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 72‏]‏ ويؤيد هذا حديث أم هانئ، وسيأتي آخر البحث هذا إن شاء الله تعالى‏.‏ ووجه إفراد العم والخال وجمع العمة والخالة ما ذكره القرطبي أن العم والخال في الإطلاق اسم جنس كالشاعر والراجز، وليس كذلك العمة والخالة‏.‏ قال‏:‏ وهذا عرف لغوي، فجاء الكلام عليه بغاية البيان‏.‏ وحكاه عن ابن العربي‏.‏ وقال ابن كثير‏:‏ إنه وحّد لفظ الذكر لشرفه، وجمع الأنثى كقوله‏:‏ ‏{‏عَنِ اليمين والشمآئل‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 48‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 257‏]‏ ‏{‏وَجَعَلَ الظلمات والنور‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 1‏]‏ وله نظائر كثيرة انتهى‏.‏ وقال النيسابوري‏:‏ وإنما لم يجمع العم والخال اكتفاء بجنسيتهما مع أن لجمع البنات دلالة على ذلك لامتناع اجتماع أختين تحت واحد، ولم يحسن هذا الاختصار في العمة والخالة لإمكان سبق الوهم إلى أن التاء فيهما للوحدة انتهى‏.‏ وكل وجه من هذه الوجوه يحتمل المناقشة بالنقض والمعارضة، وأحسنها تعليل جمع العمة والخالة بسبق الوهم إلى أن التاء للوحدة، وليس في العم والخال ما يسبق الوهم إليه بأنه أريد به الوحدة إلاّ مجرّد صيغة الإفراد، وهي لا تقتضي ذلك بعد إضافتها لما تقرّر من عموم أسماء الأجناس المضافة، على أن هذا الوجه الأحسن لا يصفو عن شوب المناقشة‏.‏

‏{‏وامرأة مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيّ‏}‏ هو معطوف على مفعول ‏{‏أحللنا‏}‏، أي وأحللنا لك امرأة مصدقة بالتوحيد إن وهبت نفسها منك بغير صداق‏.‏ وأما من لم تكن مؤمنة، فلا تحلّ لك بمجرّد هبتها نفسها لك، ولكن ليس ذلك بواجب عليك بحيث يلزمك قبول ذلك، بل مقيداً بإرادتك، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إِنْ أَرَادَ النبي أَن يَسْتَنكِحَهَا‏}‏ أي يصيرها منكوحة له ويتملك بضعها بتلك الهبة بلا مهر‏.‏ وقد قيل‏:‏ إنه لم ينكح النبيّ صلى الله عليه وسلم من الواهبات أنفسهن أحداً ولم يكن عنده منهنّ شيء‏.‏ وقيل‏:‏ كان عنده منهنّ خولة بنت حكيم كما في صحيح البخاري عن عائشة‏.‏ وقال قتادة‏:‏ هي ميمونة بنت الحارث‏.‏ وقال الشعبي‏:‏ هي‏:‏ زينب بنت خزيمة الأنصارية أمّ المساكين‏.‏ وقال عليّ بن الحسين والضحاك ومقاتل‏:‏ هي أمّ شريك بنت جابر الأسدية‏.‏ وقال عروة بن الزبير‏:‏ هي أمّ حكيم بنت الأوقص السلمية‏.‏ ثم بين سبحانه أن هذا النوع من النكاح خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحلّ لغيره من أمته، فقال‏:‏ ‏{‏خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المؤمنين‏}‏ أي هذا الإحلال الخالص هو خاص بك من دون غيرك من المؤمنين‏.‏ ولفظ ‏{‏خالصة‏}‏ إما حال من ‏{‏امرأة‏}‏، قاله الزجاج‏.‏

أو مصدر مؤكد كوعد الله، أي خالص لك خلوصاً‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏وامرأة‏}‏ بالنصب‏.‏ وقرأ أبو حيوة بالرفع على الابتداء‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏إن وهبت‏}‏ بكسر إن‏.‏ وقرأ أبيّ والحسن وعيسى بن عمر بفتحها على أنه بدل من امرأة بدل اشتمال‏.‏ أو على حذف لام العلة، أي لأن وهبت‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏خالصة‏}‏ بالنصب، وقرئ بالرفع على أنها صفة ل ‏{‏امرأة‏}‏ على قراءة من قرأ ‏"‏ امرأة ‏"‏ بالرفع‏.‏

وقد أجمع العلماء على أن هذا خاص بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يجوز لغيره ولا ينعقد النكاح بهبة المرأة نفسها إلاّ ما روي عن أبي حنيفة، وصاحبيه أنه يصحّ النكاح إذا وهبت، وأشهد هو على نفسه بمهر‏.‏ وأما بدون مهر فلا خلاف في أن ذلك خاص بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أزواجهم‏}‏ أي ما فرضه الله سبحانه على المؤمنين في حقّ أزواجهم من شرائط العقد وحقوقه، فإن ذلك حق عليهم مفروض لا يحلّ لهم الإخلال به، ولا الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فيما خصه الله به توسعة عليه وتكريماً له، فلا يتزوّجوا إلاّ أربعاً بمهر وبينة ووليّ ‏{‏وَمَا مَلَكَتْ أيمانهم‏}‏ أي‏:‏ وعلمنا ما فرضنا عليهم فيما ملكت أيمانهم من كونهنّ ممن يجوز سبيه وحربه، لا من كان لا يجوز سبيه أو كان له عهد من المسلمين ‏{‏لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ‏}‏‏.‏ قال المفسرون‏:‏ هذا يرجع إلى أوّل الآية، أي أحللنا لك أزواجك وما ملكت يمينك والموهوبة لكيلا يكون عليك حرج، فتكون اللام متعلقة ب ‏{‏أحللنا‏}‏‏.‏ وقيل‏:‏ هي متعلقة ب ‏{‏خالصة‏}‏، والأوّل أولى والحرج‏:‏ الضيق، أي وسعنا عليك في التحليل لك لئلا يضيق صدرك، فتظن أنك قد أثمت في بعض المنكوحات ‏{‏وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً‏}‏ يغفر الذنوب ويرحم العباد، ولذلك وسع الأمر، ولم يضيقه‏.‏

‏{‏تُرْجِى مَن تَشَاء مِنْهُنَّ‏}‏ قرئ‏:‏ «ترجئ» مهموزاً وغير مهموز، وهما لغتان، والإرجاء‏:‏ التأخير، يقال‏:‏ أرجأت الأمر وأرجيته‏:‏ إذا أخرته ‏{‏وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء‏}‏ أي تضم إليك، يقال‏:‏ آواه إليه بالمد‏:‏ ضمه إليه، وأوى مقصوراً، أي ضم إليه، والمعنى‏:‏ أن الله وسع على رسوله وجعل الخيار إليه في نسائه، فيؤخر من شاء منهنّ ويؤخر نوبتها ويتركها ولا يأتيها من غير طلاق، ويضم إليه من شاء منهنّ ويضاجعها ويبيت عندها، وقد كان القسم واجباً عليه حتى نزلت هذه الآية، فارتفع الوجوب وصار الخيار إليه، وكان ممن أوى إليه‏:‏ عائشة وحفصة وأمّ سلمة وزينب، وممن أرجأه‏:‏ سودة وجويرية وأم حبيبة وميمونة وصفية، فكان صلى الله عليه وسلم يسوّي بين من آواه في القسم، وكان يقسم لمن أرجأه ما شاء‏.‏ هذا قول جمهور المفسرين في معنى الآية، وهو الذي دلت عليه الأدلة الثابتة في الصحيح وغيره‏.‏

وقيل‏:‏ هذه الآية في الواهبات أنفسهنّ، لا في غيرهنّ من الزوجات‏.‏ قاله الشعبي وغيره‏.‏ وقيل‏:‏ معنى الآية في الطلاق، أي تطلق من تشاء منهنّ وتمسك من تشاء‏.‏ وقال الحسن‏:‏ إن المعنى‏:‏ تنكح من شئت من نساء أمتك وتترك نكاح من شئت منهنّ‏.‏ وقد قيل‏:‏ إن هذه الآية ناسخة لقوله‏:‏ ‏{‏لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء مِن بَعْدُ‏}‏ وسيأتي بيان ذلك‏.‏

‏{‏وَمَنِ ابتغيت مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ‏}‏ الابتغاء‏:‏ الطلب، والعزل‏:‏ الإزالة، والمعنى‏:‏ أنه إن أراد أن يؤوي إليه امرأة ممن قد عزلهنّ من القسمة ويضمها إليه فلا حرج عليه في ذلك‏.‏ والحاصل أن الله سبحانه فوّض الأمر إلى رسوله يصنع في زوجاته ما شاء من تقديم وتأخير، وعزل وإمساك، وضمّ من أرجأ، وإرجاء من ضمّ إليه، وما شاء في أمرهنّ فعل توسعة عليه ونفياً للحرج عنه‏.‏ وأصل الجناح‏:‏ الميل، يقال‏:‏ جنحت السفينة‏:‏ إذا مالت‏.‏ والمعنى‏:‏ لا ميل عليك بلوم ولا عتب فيما فعلت، والإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ إلى ما تقدّم من التفويض إلى مشيئته، وهو مبتدأ وخبره‏:‏ ‏{‏أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ‏}‏ أي ذلك التفويض الذي فوّضناك أقرب إلى رضاهنّ؛ لأنه حكم الله سبحانه‏.‏ قال قتادة‏:‏ أي‏:‏ ذلك التخيير الذي خيرناك في صحبتهنّ أدنى إلى رضاهنّ إذ كان من عندنا، لأنهنّ إذا علمن أنه من الله قرّت أعينهنّ‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏تقرّ‏}‏ على البناء للفاعل مسنداً إلى ‏{‏أعينهنّ‏}‏، وقرأ ابن محيصن‏:‏ «تقرّ» بضم التاء من أقرر، وفاعله ضمير المخاطب، ونصب أعينهنّ على المفعولية، وقرئ على البناء للمفعول‏.‏ وقد تقدّم بيان معنى قرّة العين في سورة مريم، ومعنى ‏{‏وَلاَ يَحْزَنّ‏}‏‏:‏ لا يحصل معهنّ حزن بتأثيرك بعضهنّ دون بعض ‏{‏وَيَرْضَيْنَ بِمَا ءَاتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ‏}‏ أي يرضين جميعاً بما أعطيتهنّ من تقريب وإرجاء وعزل وإيواء‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏كلهنّ‏}‏ بالرفع تأكيداً لفاعل ‏{‏يرضين‏}‏‏.‏ وقرأ أبو إياس بالنصب تأكيداً لضمير المفعول في ‏{‏آتيتهنّ‏}‏، ‏{‏والله يَعْلَمُ مَا فِى قلُوبِكُمْ‏}‏ من كل ما تضمرونه، ومن ذلك ما تضمرونه من أمور النساء ‏{‏وَكَانَ الله عَلِيماً‏}‏ بكل شيء لا تخفى عليه خافية ‏{‏حَلِيماً‏}‏ لا يعاجل العصاة بالعقوبة‏.‏

‏{‏لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء مِن بَعْدُ‏}‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏لاَّ يَحِلُّ‏}‏ بالتحتية للفصل بين الفعل وفاعله المؤنث، وقرأ ابن كثير بالفوقية‏.‏

وقد اختلف أهل العلم في تفسير هذه الآية على أقوال‏:‏ الأوّل‏:‏ أنها محكمة، وأنه حرّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوّج على نسائه؛ مكافأة لهنّ بما فعلن من اختيار الله ورسوله والدار الآخرة، لما خيرهنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الله له بذلك، وهذا قول ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة والحسن وابن سيرين، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وابن زيد وابن جرير‏.‏

وقال أبو أمامة بن سهل بن حنيف‏:‏ لما حرّم الله عليهنّ أن يتزوجن من بعده حرّم عليه أن يتزوّج غيرهن‏.‏ وقال أبيّ بن كعب وعكرمة وأبو رزين‏:‏ إن المعنى‏:‏ لا يحل لك النساء من بعد الأصناف التي سماها الله‏.‏ قال القرطبي‏:‏ وهو اختيار ابن جرير‏.‏ وقيل‏:‏ لا يحلّ لك اليهوديات ولا النصرانيات لأنهنّ لا يصح أن يتصفن بأنهنّ أمهات المؤمنين‏.‏ وهذا القول فيه بُعْد؛ لأنه يكون التقدير‏:‏ لا يحلّ لك النساء من بعد المسلمات، ولم يجر للمسلمات ذكر‏.‏ وقيل‏:‏ هذه الآية منسوخة بالسنة وبقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء‏}‏ وبهذا قالت عائشة وأم سلمة وعلي بن أبي طالب وعلي بن الحسين وغيرهم، وهذا هو الراجح، وسيأتي في آخر البحث ما يدل عليه من الأدلة‏.‏

‏{‏وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ‏}‏ أي تتبدل، فحذفت إحدى التاءين، أي‏:‏ ليس لك أن تطلق واحدة منهنّ أو أكثر وتتزوّج بدل من طلقت منهنّ، و«من» في قوله‏:‏ ‏{‏مِنْ أَزْوَاجٍ‏}‏ مزيدة للتأكيد‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ هذا شيء كانت العرب تفعله‏.‏ يقول‏:‏ خذ زوجتي وأعطني زوجتك، وقد أنكر النحاس وابن جرير ما ذكره ابن زيد‏.‏ قال ابن جرير‏:‏ ما فعلت العرب هذا قط‏.‏ ويدفع هذا الإنكار منهما ما أخرجه الدارقطني عن أبي هريرة قال‏:‏ كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل‏:‏ تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي، فأنزل الله عزّ وجلّ‏:‏ ‏{‏وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ‏}‏ وأخرجه أيضاً عنه البزار وابن مردويه، وجملة‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ‏}‏ في محل نصب على الحال من فاعل ‏{‏تبدّل‏}‏، والمعنى أنه لا يحل التبدّل بأزواجك ولو أعجبك حسن غيرهنّ ممن أردت أن تجعلها بدلاً من إحداهنّ، وهذا التبدّل أيضاً من جملة ما نسخه الله في حق رسوله على القول الراجح‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ‏}‏ استثناء من النساء لأنه يتناول الحرائر والإماء‏.‏ وقد اختلف العلماء في تحليل الأمة الكافرة‏.‏ القول الأوّل‏:‏ أنها تحلّ للنبيّ صلى الله عليه وسلم لعموم هذه الآية، وبه قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والحكم‏.‏ القول الثاني‏:‏ أنها لا تحلّ له تنزيهاً لقدره عن مباشرة الكافرة‏.‏ ويترجح القول الأوّل بعموم هذه الآية، وتعليل المنع بالتنزّه ضعيف فلا تنزّه عما أحله الله سبحانه، فإن ما أحله فهو طيب لا خبيث باعتبار ما يتعلق بأمور النكاح، لا باعتبار غير ذلك، فالمشركون نجس بنص القرآن‏.‏ ويمكن ترجيح القول الثاني بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر‏}‏ ‏[‏الممتحنة‏:‏ 10‏]‏ فإنه نهي عام ‏{‏وَكَانَ الله على كُلّ شَيْء رَّقِيباً‏}‏ أي مراقباً حافظاً مهيمناً لا يخفى عليه شيء ولا يفوته شيء‏.‏

وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات‏}‏ قال‏:‏ هذا في الرجل يتزوّج المرأة ثم يطلقها من قبل أن يمسها، فإذا طلقها واحدة بانت منه ولا عدّة عليها، تتزوّج من شاءت، ثم قال‏:‏ ‏{‏فَمَتّعُوهُنَّ وَسَرّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً‏}‏ يقول‏:‏ إن كان سمى لها صداقاً، فليس لها إلاّ النصف، وإن لم يكن سمى لها صداقاً متعها على قدر عسره ويسره، وهو السراح الجميل‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال‏:‏ ‏{‏إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ‏}‏ منسوخة نسختها التي في البقرة‏:‏ ‏{‏فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 237‏]‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن المسيب نحوه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن وأبي العالية قالا‏:‏ ليست بمنسوخة، لها نصف الصداق ولها المتاع‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال‏:‏ بلغ ابن عباس أن ابن مسعود يقول‏:‏ إن طلق ما لم ينكح فهو جائز، فقال ابن عباس‏:‏ أخطأ في هذا، إن الله يقول‏:‏ ‏{‏إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ‏}‏ ولم يقل‏:‏ إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهنّ‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس‏:‏ أنه تلا هذه الآية، وقال‏:‏ لا يكون طلاق حتى يكون نكاح‏.‏ وقد وردت أحاديث منها أنه «لا طلاق إلاّ بعد نكاح» وهي معروفة‏.‏

وأخرج ابن سعد وابن راهويه وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أم هانئ بنت أبي طالب‏.‏ قالت‏:‏ خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه، فعذرني، فأنزل الله ‏{‏ياأيها النبي إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏هاجرن مَعَكَ‏}‏ قالت‏:‏ فلم أكن أحلّ له لأني لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من وجه آخر عنها قالت‏:‏ نزلت فيّ هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَبَنَاتِ عَمّكَ وَبَنَاتِ عماتك وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ اللاتي هاجرن مَعَكَ‏}‏ أراد النبيّ أن يتزوّجني فنهي عني إذ لم أهاجر‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏خَالِصَةً لَّكَ‏}‏ قال‏:‏ فحرّم الله عليه سوى ذلك من النساء، وكان قبل ذلك ينكح في أيّ النساء شاء لم يحرم ذلك عليه، وكان نساؤه يجدن من ذلك وجداً شديداً أن ينكح في أيّ النساء أحبّ، فلما أنزل إني حرّمت عليك من النساء سوى ما قصصت عليك أعجب ذلك نساءه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في السنن عن عائشة قالت‏:‏ التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم خولة بنت حكيم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي وابن مردويه عن عروة، أن خولة بنت حكيم كانت من اللاتي وهبن أنفسهنّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب وعمر بن الحكم وعبد الله بن عبيدة قالوا‏:‏ تزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة امرأة‏:‏ ست من قريش‏:‏ خديجة وعائشة وحفصة وأم حبيبة وسودة وأم سلمة، وثلاث من بني عامر بن صعصعة، وامرأتين من بني هلال ابن عامر‏:‏ ميمونة بنت الحارث، وهي التي وهبت نفسها للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وزينب أم المساكين، والعامرية وهي التي اختارت الدنيا، وامرأة من بني الجون وهي التي استعاذت منه، وزينب بنت جحش الأسدية، والسبيتين‏:‏ صفية بنت حيي، وجويرية بنت الحارث الخزاعية‏.‏ وأخرج البخاري وابن مردويه عن أنس قال‏:‏ جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ يا نبيّ الله هل لك بي حاجة‏؟‏ فقالت ابنة أنس‏:‏ ما كان أقلّ حياءها، فقال‏:‏ هي خير منك رغبت في النبي صلى الله عليه وسلم، فعرضت نفسها عليه‏.‏ وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد الساعدي، أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوهبت نفسها له فصمت‏.‏ الحديث بطوله‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر في قوله‏:‏ ‏{‏قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أزواجهم‏}‏ قال‏:‏ فرض الله عليهم أنه لا نكاح إلاّ بوليّ وشاهدين‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مثله وزاد‏:‏ ومهر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عليّ قال‏:‏ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توطأ الحامل حتى تضع، والحائل حتى تستبرأ بحيضة‏.‏

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ‏}‏ قال‏:‏ تؤخر‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه في قوله‏:‏ ‏{‏تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ‏}‏ يقول‏:‏ من شئت خليت سبيله منهنّ، ومن أحببت أمسكت منهنّ‏.‏ وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت‏:‏ كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهنّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأقول‏:‏ تهب المرأة نفسها‏!‏ فلما أنزل الله ‏{‏تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ‏}‏ الآية قلت‏:‏ ما أرى ربك إلاّ يسارع في هواك‏.‏ وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي رزين قال‏:‏ همّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق من نسائه، فلما رأين ذلك أتينه، فقلن‏:‏ لا تخلّ سبيلنا، وأنت في حلّ فيما بيننا وبينك، افرض لنا من نفسك ومالك ما شئت، فأنزل الله‏:‏ ‏{‏تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ‏}‏ يقول‏:‏ تعزل من تشاء، فأرجأ منهن نسوة وآوى نسوة، وكان ممن أرجى ميمونة وجويرية وأم حبيبة وصفية وسودة، وكان يقسم بينهن من نفسه وماله ما شاء، وكان ممن أوى عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب، فكانت قسمته من نفسه وماله بينهنّ سواء‏.‏

وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ‏}‏ فقلت لها‏:‏ ما كنت تقولين‏؟‏ قالت‏:‏ كنت أقول‏:‏ إن كان ذلك إليّ فإني لا أريد أن أوثر عليك أحداً‏.‏

وأخرج الروياني والدارمي وابن سعد، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، والضياء في المختارة عن زياد، رجل من الأنصار قال‏:‏ قلت لأبي بن كعب‏:‏ أرأيت لو أن أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم متن أما كان يحلّ له أن يتزوّج‏؟‏ قال‏:‏ وما يمنعه من ذلك‏؟‏ قلت‏:‏ قوله ‏{‏لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء مِن بَعْدُ‏}‏ قال‏:‏ إنما أحلّ له ضرباً من النساء، ووصف له صفة، فقال‏:‏ ‏{‏ياأيها النبي إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وامرأة مُّؤْمِنَةً‏}‏ ثم قال‏:‏ لا يحلّ لك النساء من بعد هذه الصفة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد والترمذي وحسنه، وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء إلاّ ما كان من المؤمنات المهاجرات قال‏:‏ ‏{‏لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ‏}‏ فأحلّ له الفتيات المؤمنات ‏{‏وامرأة مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيّ‏}‏ وحرّم كل ذات دين غير الإسلام، وقال‏:‏ ‏{‏ياأيها النبي إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المؤمنين‏}‏ وحرّم ما سوى ذلك من أصناف النساء‏.‏ وأخرج ابن مردويه عنه قال‏:‏ نهي النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يتزوّج بعد نسائه الأول شيئاً‏.‏ وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً في الآية قال‏:‏ حبسه الله عليهن كما حبسهن عليه‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن أنس قال‏:‏ لما خيرهنّ فاخترن الله ورسوله قصره عليهن، فقال‏:‏ ‏{‏لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء مِن بَعْدُ‏}‏‏.‏ وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم عن أم سلمة قالت‏:‏ لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحلّ الله له أن يتزوّج من النساء ما شاء إلاّ ذات محرم، وذلك قول الله‏:‏ ‏{‏تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء‏}‏‏.‏

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن سعد وأحمد وعبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، والترمذي وصححه، والنسائي وابن جرير وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي من طريق عطاء عن عائشة قالت‏:‏ لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحلّ الله له أن يتزوّج من النساء ما شاء إلاّ ذات محرم لقوله‏:‏ ‏{‏تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء‏}‏‏.‏

وأخرج ابن سعد عن ابن عباس مثله‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي رزين ‏{‏لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء مِن بَعْدُ‏}‏ قال‏:‏ من المشركات إلاّ ما سبيت فملكت يمينك‏.‏ وأخرج البزار وابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل‏:‏ بادلني امرأتك وأبادلك امرأتي أي تنزل لي عن امرأتك، وأنزل لك عن امرأتي، فأنزل الله ‏{‏وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ‏}‏ قال‏:‏ فدخل عيينة بن حصن الفزاري إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة، فدخل بغير إذن، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أين الاستئذان‏؟‏» قال‏:‏ يا رسول الله، ما استأذنت على رجل من الأنصار منذ أدركت، ثم قال‏:‏ من هذه الحميراء إلى جنبك‏؟‏ فقال رسول الله‏:‏ «هذه عائشة أم المؤمنين»، قال‏:‏ أفلا أنزل لك عن أحسن خلق الله‏؟‏ قال‏:‏ «يا عيينة، إن الله حرّم ذلك»، فلما أن خرج قالت عائشة‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏:‏ «أحمق مطاع، وإنه على ما ترين لسيد قومه»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏53- 55‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا ‏(‏53‏)‏ إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ‏(‏54‏)‏ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آَبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ‏(‏55‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي‏}‏ هذا نهي عام لكل مؤمن أن يدخل بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ بإذن منه‏.‏ وسبب النزول ما وقع من بعض الصحابة في وليمة زينب، وسيأتي بيان ذلك آخر البحث إن شاء الله‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ‏}‏ استثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال، أي لا تدخلوها في حال من الأحوال إلاّ في حال كونكم مأذوناً لكم، وهو في موضع نصب على الحال، أي إلاّ مصحوبين بالإذن، أو بنزع الخافض، أي إلاّ بأن يؤذن لكم، أو منصوب على الظرفية، أي إلاّ وقت أن يؤذن لكم، وقوله‏:‏ ‏{‏إلى طَعَامٍ‏}‏ متعلق ب ‏{‏يؤذن‏}‏ على تضمينه معنى الدعاء، أي إلاّ أن يؤذن لكم مدعوّين إلى طعام، وانتصاب ‏{‏غَيْرَ ناظرين إناه‏}‏ على الحال، والعامل فيه ‏{‏يؤذن‏}‏ أو مقدّر، أي ادخلوا غير ناظرين ومعنى ناظرين‏:‏ منتظرين، وإناه‏:‏ نضجه وإدراكه، يقال‏:‏ أنى يأني أنى‏:‏ إذا حان وأدرك‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏غير ناظرين‏}‏ بالنصب‏.‏ وقرأ ابن أبي عبلة‏:‏ «غير» بالجرّ صفة لطعام، وضعف النحاة هذه القراءة لعدم بروز الضمير لكونه جارياً على غير من هو له، فكان حقه أن يقال‏:‏ ‏{‏غَيْرَ ناظرين‏}‏ إناه أنتم‏.‏

ثم بيّن لهم سبحانه ما ينبغي في ذلك، فقال‏:‏ ‏{‏وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فادخلوا‏}‏ وفيه تأكيد للمنع، وبيان الوقت الذي يكون فيه الدخول، وهو عند الإذن‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ وتقدير الكلام‏:‏ ولكن إذا دعيتم وأذن لكم فادخلوا، وإلاّ فنفس الدعوة لا تكون إذناً كافياً في الدخول‏.‏ وقيل‏:‏ إن فيه دلالة بينة على أن المراد بالإذن إلى الطعام هو الدعوة إليه ‏{‏فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا‏}‏ أمرهم سبحانه بالانتشار بعد الطعام، وهو التفرّق، والمراد الإلزام بالخروج من المنزل الذي وقعت الدعوة إليه عند انقضاء المقصود من الأكل ‏{‏وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ‏}‏ عطف على قوله‏:‏ ‏{‏غير ناظرين‏}‏، أو على مقدّر، أيّ ولا تدخلوا ولا تمكثوا مستأنسين‏.‏ والمعنى‏:‏ النهي لهم عن أن يجلسوا بعد الطعام يتحدّثون مستأنسين بالحديث‏.‏ قال الرازي في قوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ‏}‏ إما أن يكون فيه تقديم وتأخير تقديره‏:‏ ولا تدخلوا إلى طعام إلاّ أن يؤذن لكم، فلا يكون منعاً من الدخول في غير وقت الطعام بغير إذن‏.‏ وإما أن لا يكون فيه تقديم وتأخير، فيكون معناه‏:‏ ولا تدخلوا إلاّ أن يؤذن لكم إلى طعام، فيكون الإذن مشروطاً بكونه إلى طعام، فإن لم يؤذن إلى طعام فلا يجوز الدخول، فلو أذن لواحد في الدخول لاستماع كلام لا لأكل طعام فلا يجوز، فنقول‏:‏ المراد هو الثاني ليعمّ النهي عن الدخول‏.‏

وأما كونه لا يجوز إلاّ بإذن إلى طعام فلما هو مذكور في سبب النزول أن الخطاب مع قوم كانوا يتحينون حين الطعام، ويدخلون من غير إذن، فمنعوا من الدخول في وقتهم بغير إذن‏.‏ وقال ابن عادل‏:‏ الأولى أن يقال‏:‏ المراد هو‏:‏ الثاني؛ لأن التقديم والتأخير خلاف الأصل، وقوله‏:‏ ‏{‏إلى طَعَامٍ‏}‏ من باب التخصيص بالذكر، فلا يدلّ على نفي ما عداه، لا سيما إذا علم مثله، فإن من جاز دخول بيته بإذنه إلى طعامه جاز دخوله بإذنه إلى غير الطعام، انتهى‏.‏ والأولى في التعبير عن هذا المعنى الذي أراده أن يقال‏:‏ قد دلت الأدلة على جواز دخول بيوته صلى الله عليه وسلم بإذنه لغير الطعام وذلك معلوم لا شك فيه، فقد كان الصحابة وغيرهم يستأذنون عليه لغير الطعام، فيأذن لهم، وذلك يوجب قصر هذه الآية على السبب الذي نزلت فيه، وهو القوم الذين كانوا يتحينون طعام النبي صلى الله عليه وسلم فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه وأمثالهم، فلا تدلّ على المنع من الدخول مع الإذن لغير ذلك، وإلاّ لما جاز لأحد أن يدخل بيوته بإذنه لغير الطعام، واللازم باطل فالملزوم مثله‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وكانت سيرة القوم إذا كان لهم طعام وليمة أو نحوه أن يبكر من شاء إلى الدعوة ينتظرون طبخ الطعام ونضجه، وكذلك إذا فرغوا منه جلسوا كذلك، فنهى الله المؤمنين عن ذلك في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ودخل في النهي سائر المؤمنين، والتزم الناس أدب الله لهم في ذلك، فمنعهم من الدخول إلاّ بإذن عند الأكل لا قبله لانتظار نضج الطعام‏.‏

والإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ ذلكم‏}‏ إلى الانتظار والاستئناس للحديث، وأشير إليهما بما يشار به إلى الواحد بتأويلهما بالمذكور كما في قوله‏:‏ ‏{‏عَوَانٌ بَيْنَ ذلك‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 68‏]‏ أي إن ذلك المذكور من الأمرين ‏{‏كَانَ يُؤْذِي النبي‏}‏ لأنهم كانوا يضيقون المنزل عليه وعلى أهله ويتحدّثون بما لا يريده‏.‏ قال الزجاج‏:‏ كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يحتمل إطالتهم كرماً منه، فيصبر على الأذى في ذلك، فعلم الله من يحضره الأدب صار أدباً لهم ولمن بعدهم ‏{‏فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ‏}‏ أي يستحيي أن يقول لكم‏:‏ قوموا أو أخرجوا ‏{‏والله لاَ يَسْتَحْيِ مِنَ الحق‏}‏ أي لا يترك أن يبين لكم ما هو الحق ولا يمتنع من بيانه وإظهاره، والتعبير عنه بعدم الاستحياء للمشاكلة‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏يستحيي‏}‏ بياءين، وروي عن ابن كثير‏:‏ أنه قرأ بياء واحدة، وهي لغة تميم يقولون‏:‏ استحى يستحي مثل استقى يستقي‏.‏ ثم ذكر سبحانه أدباً آخر متعلقاً بنساء النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏{‏وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ متاعا‏}‏ أي شيئاً يتمتع به، من الماعون وغيره ‏{‏فاسألوهن مِن وَرَآءِ حِجَاب‏}‏ أي من وراء ستر بينكم وبينهنّ‏.‏ والمتاع يطلق على كل ما يتمتع به، فلا وجه لما قيل من أن المراد به العارية أو الفتوى أو المصحف‏.‏

والإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏ذلكم‏}‏ إلى سؤال المتاع من وراء حجاب، وقيل‏:‏ الإشارة إلى جميع ما ذكر من عدم الدخول بغير إذن، وعدم الاستئناس للحديث عند الدخول وسؤال المتاع، والأوّل أولى، واسم الإشارة مبتدأ وخبره ‏{‏أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ‏}‏ أي أكثر تطهيراً لها من الريبة، وخواطر السوء التي تعرض للرجال في أمر النساء، وللنساء في أمر الرجال‏.‏ وفي هذا أدب لكل مؤمن وتحذير له من أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحلّ له، والمكالمة من دون حجاب لمن تحرم عليه ‏{‏وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله‏}‏ أي ما صح لكم ولا استقام أن تؤذوه بشيء من الأشياء كائناً ما كان، ومن جملة ذلك دخول بيوته بغير إذن منه، واللبث فيها على غير الوجه الذي يريده، وتكليم نسائه من دون حجاب ‏{‏وَلاَ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً‏}‏ أي ولا كان لكم ذلك بعد وفاته؛ لأنهنّ أمهات المؤمنين، ولا يحلّ للأولاد نكاح الأمهات، والإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ ذلكم‏}‏ إلى نكاح أزواجه من بعده ‏{‏كَانَ عِندَ الله عَظِيماً‏}‏ أي ذنباً عظيماً وخطباً هائلاً شديداً‏.‏ وكان سبب نزول الآية أنه قال قائل‏:‏ لو قد مات محمد لتزوّجنا نساءه، وسيأتي بيان ذلك ‏{‏إِن تُبْدُواْ شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ الله كَانَ بِكُلّ شَيْء عَلِيماً‏}‏ يعلم كل شيء من الأشياء، ومن جملة ذلك ما تظهرونه في شأن أزواج رسوله، وما تكتمونه في صدوركم‏.‏ وفي هذا وعيد شديد؛ لأن إحاطته بالمعلومات تستلزم المجازاة على خيرها وشرّها‏.‏

ثم بين سبحانه من لا يلزم الحجاب منه، فقال‏:‏ ‏{‏لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي ءَابَائِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ إخوانهن وَلاَ أَبْنَاء إخوانهن وَلاَ أَبْنَاء أخواتهن‏}‏ فهؤلاء لا يجب على نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا غيرهنّ من النساء الاحتجاب منهم، ولم يذكر العمّ والخال؛ لأنهما يجريان مجرى الوالدين‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ العمّ والخال ربما يصفان المرأة لولديهما، فإن المرأة تحلّ لابن العمّ وابن الخال فكره لهما الرؤية، وهذا ضعيف جدّاً، فإن تجويز وصف المرأة لمن تحلّ له ممكن من غيرهما ممن يجوز له النظر إليها، لا سيما أبناء الإخوة، وأبناء الأخوات‏.‏ واللازم باطل، فالملزوم مثله، وهكذا يستلزم أن لا يجوز للنساء الأجنبيات أن ينظرن إليها؛ لأنهنّ يصفنها، واللازم باطل فالملزوم مثله‏.‏ وهكذا لا وجه لما قاله الشعبي وعكرمة من أنه يكره للمرأة أن تضع خمارها عند عمها أو خالها، والأولى أن يقال‏:‏ إنه سبحانه اقتصر هاهنا على بعض ما ذكره من المحارم في سورة النور اكتفاء بما تقدّم ‏{‏وَلاَ نِسَائِهِنَّ‏}‏ هذه الإضافة تقتضي أن يكون المراد بالنساء المؤمنات؛ لأن الكافرات غير مأمونات على العورات، والنساء كلهنّ عورة ‏{‏وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ‏}‏ من العبيد والإماء، وقيل‏:‏ الإماء خاصة، ومن لم يبلغ من العبيد، والخلاف في ذلك معروف‏.‏

وقد تقدّم في سورة النور ما فيه كفاية‏.‏ ثم أمرهنّ سبحانه بالتقوى التي هي ملاك الأمر كله، والمعنى‏:‏ اتقين الله في كل الأمور التي من جملتها ما هو مذكور هنا ‏{‏إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَيْء شَهِيداً‏}‏ لم يغب عنه شيء من الأشياء كائناً ما كان، فهو مجاز للمحسن بإحسانه وللمسيء بإساءته‏.‏

وقد أخرج البخاري ومسلم عن أنس قال‏:‏ قال عمر بن الخطاب‏:‏ يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهنّ البرّ والفاجر فلو حجبتهنّ، فأنزل الله آية الحجاب‏.‏ وفي لفظ أنه قال عمر‏:‏ يا رسول الله، يدخل عليك البرّ والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب‏.‏ وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال‏:‏ لما تزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا، ثم جلسوا يتحدّثون وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام قام من قام وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا، فانطلقت فجئت، فأخبرت النبيّ صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي‏}‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن جرير عن عائشة‏:‏ أن أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم كنّ يخرجن بالليل إذا تبرّزن إلى المناصع، وهو صعيد أفيح، وكان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ احجب نساءك، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر بصوته الأعلى‏:‏ قد عرفناك يا سودة حرصاً على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله الحجاب قال‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي‏}‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن سعد عن أنس قال‏:‏ نزل الحجاب مبتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش، وذلك سنة خمس من الهجرة، وحجب نساءه من يومئذ، وأنا ابن خمس عشرة سنة‏.‏ وكذا أخرج ابن سعد عن صالح بن كيسان، وقال‏:‏ نزل الحجاب على نسائه في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة، وبه قال قتادة والواقدي‏.‏ وزعم أبو عبيدة وخليفة بن خياط‏:‏ أن ذلك كان في سنة ثلاث‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله‏}‏ قال‏:‏ نزلت في رجل همّ أن يتزوّج بعض نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم بعده‏.‏

قال سفيان‏:‏ وذكروا أنها عائشة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي قال‏:‏ بلغنا أن طلحة بن عبيد الله قال‏:‏ أيحجبنا محمد عن بنات عمنا ويتزوّج نساءنا من بعدنا‏؟‏ لئن حدث به حدث لنتزوّجنّ نساءه من بعده، فنزلت هذه الآية‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال‏:‏ قال طلحة بن عبيد الله‏:‏ لو قبض النبيّ صلى الله عليه وسلم لتزوّجت عائشة‏.‏ فنزلت‏.‏ وأخرج ابن سعد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال‏:‏ نزلت في طلحة؛ لأنه قال‏:‏ إذا توفّي النبيّ صلى الله عليه وسلم تزوّجت عائشة‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وهذا عندي لا يصح على طلحة بن عبيد الله‏.‏ قال القرطبي‏:‏ قال شيخنا الإمام أبو العباس‏:‏ وقد حكى هذا القول عن بعض فضلاء الصحابة، وحاشاهم عن مثله، وإنما الكذب في نقله، وإنما يليق مثل هذا القول بالمنافقين الجهال‏.‏

وأخرج البيهقي في السنن عن ابن عباس قال‏:‏ قال رجل من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ لو قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوّجت عائشة أو أمّ سلمة، فأنزل الله‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله‏}‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه أن رجلاً أتى بعض أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم فكلمها وهو ابن عمها، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا تقومنّ هذا المقام بعد يومك هذا»، فقال‏:‏ يا رسول الله، إنها ابنة عمي، والله ما قلت لها منكراً ولا قالت لي، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «قد عرفت ذلك إنه ليس أحد أغير من الله، وإنه ليس أحد أغير مني»، فمضى، ثم قال‏:‏ يمنعني من كلام ابنة عمي، لأتزوّجنّها من بعده، فأنزل الله هذه الآية، فأعتق ذلك الرجل رقبة وحمل على عشرة أبعرة في سبيل الله، وحج ماشياً توبة من كلمته‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت عميس قالت‏:‏ خطبني عليّ، فبلغ ذلك فاطمة فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت‏:‏ إن أسماء متزوّجة علياً، فقال لها النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ما كان لها أن تؤذي الله ورسوله»‏.‏ وأخرج ابن سعد عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف في قوله‏:‏ ‏{‏إِن تُبْدُواْ شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ‏}‏ قال‏:‏ أن تكلموا به، فتقولون‏:‏ تتزوّج فلانة لبعض أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم، أو تخفوا ذلك في أنفسكم فلا تنطقوا به يعلمه الله‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ‏}‏ إلى آخر الآية قال‏:‏ أنزلت هذه في نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وقوله‏:‏ ‏{‏نِسَاء النبي‏}‏ يعني‏:‏ نساء المسلمات ‏{‏وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ‏}‏ من المماليك والإماء ورخص لهنّ أن يروهنّ بعد ما ضرب الحجاب عليهنّ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏56- 58‏]‏

‏{‏إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ‏(‏56‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ‏(‏57‏)‏ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ‏(‏58‏)‏‏}‏

قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏وَمَلاَئِكَتُهُ‏}‏ بنصب الملائكة عطفاً على لفظ اسم إنّ‏.‏ وقرأ ابن عباس‏:‏ «وَمَلاَئِكَتُهُ» بالرفع عطفاً على محل اسم إنّ، والضمير في قوله‏:‏ ‏{‏يَصِلُونَ‏}‏ راجع إلى الله وإلى الملائكة، وفيه تشريف للملائكة عظيم حيث جعل الضمير لهم ولله سبحانه واحداً، فلا يرد الاعتراض بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم لما سمع قول الخطيب يقول‏:‏ من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال‏:‏ «بئس خطيب القوم أنت، قل‏:‏ ومن يعص الله ورسوله» ووجه ذلك‏:‏ أنه ليس لأحد أن يجمع ذكر الله سبحانه مع غيره في ضمير واحد، وهذا الحديث ثابت في الصحيح‏.‏ وثبت أيضاً في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر منادياً ينادي يوم خيبر‏:‏ إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية‏.‏ ولأهل العلم أبحاث في الجمع بين الحديثين ليس هذا موضع ذكرها، والآية مؤيدة للجواز لجعل الضمير فيها لله ولملائكته واحداً، والتعليل بالتشريف للملائكة يقال مثله في رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحمل الذمّ لذلك الخطيب الجامع بينهما على أنه صلى الله عليه وسلم فهم منه إرادة التسوية بين الله سبحانه وبين رسوله، فيختص المنع بمثل ذلك، وهذا أحسن ما قيل في الجمع‏.‏ وقالت طائفة‏:‏ في هذه حذف، والتقدير‏:‏ إن الله يصلي وملائكته يصلون، وعلى هذا القول فلا تكون الآية مما جمع فيه بين ذكر الله، وذكر غيره في ضمير واحد، ولا يرد أيضاً ما قيل‏:‏ إن الصلاة من الله الرحمة، ومن ملائكته الدعاء، فكيف يجمع بين هذين المعنيين المختلفين في لفظ يصلون‏؟‏ ويقال على القول الأوّل‏:‏ إنه أريد ب ‏{‏يصلون‏}‏ معنى مجازي يعمّ المعنيين، وذلك بأن يراد بقوله‏:‏ ‏{‏يصلون‏}‏ يهتمون بإظهار شرفه، أو يعظمون شأنه، أو يعتنون بأمره‏.‏ وحكى البخاري عن أبي العالية‏:‏ أن صلاة الله سبحانه ثناؤه عليه عند ملائكته وصلاة الملائكة الدعاء‏.‏ وروى الترمذي في سننه عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم أنهم قالوا‏:‏ صلاة الربّ الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار‏.‏ وحكى الواحدي عن مقاتل‏:‏ أنه قال‏:‏ أما صلاة الربّ فالمغفرة، وأما صلاة الملائكة فالاستغفار‏.‏ وقال عطاء بن أبي رباح‏:‏ صلاته تبارك وتعالى‏:‏ سبوح قدوس سبقت رحمتي غضبي‏.‏ والمقصود من هذه الآية أن الله سبحانه أخبر عباده بمنزلة نبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند ملائكته وأن الملائكة تصلي عليه، وأمر عباده بأن يقتدوا بذلك ويصلوا عليه‏.‏

وقد اختلف أهل العلم في الصلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم هل هي واجبة أم مستحبة‏؟‏ بعد اتفاقهم على أن الصلاة عليه فرض في العمر مرة‏.‏

وقد حكى هذا الإجماع القرطبي في تفسيره، فقال قوم من أهل العلم‏:‏ إنها واجبة عند ذكره، وقال قوم‏:‏ تجب في كل مجلس مرة‏.‏ وقد وردت أحاديث مصرّحة بذمّ من سمع ذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم فلم يصلّ عليه‏.‏

واختلف العلماء في الصلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم في تشهد الصلاة المفترضة هل هي واجبة أم لا‏؟‏ فذهب الجمهور إلى أنها فيها سنة مؤكدة غير واجبة‏.‏ قال ابن المنذر‏:‏ يستحب أن لا يصلي أحد صلاة إلاّ صلى فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن ترك ذلك تارك فصلاته مجزئة في مذهب مالك وأهل المدينة وسفيان الثوري وأهل الكوفة من أصحاب الرأي وغيرهم، وهو قول جمهور أهل العلم‏.‏ قال‏:‏ وشذّ الشافعي فأوجب على تاركها الإعادة مع تعمد تركها دون النسيان، وهذا القول عن الشافعي لم يروه عنه إلاّ حرملة بن يحيى ولا يوجد عن الشافعي إلاّ من روايته‏.‏ قال الطحاوي‏:‏ لم يقل به أحد من أهل العلم غير الشافعي‏.‏ وقال الخطابي، وهو من الشافعية‏:‏ إنها ليست بواجبة في الصلاة، قال‏:‏ وهو قول جماعة الفقهاء إلاّ الشافعي، ولا أعلم له في ذلك قدوة، انتهى‏.‏ وقد قال بقول الشافعي‏:‏ جماعة من أهل العلم منهم الشعبي والباقر ومقاتل بن حيان، وإليه ذهب أحمد بن حنبل أخيراً، كما حكاه أبو زرعة الدمشقي، وبه قال ابن راهويه وابن المواز من المالكية‏.‏

وقد جمعت في هذه المسألة رسالة مستقلة ذكرت فيها ما احتج به الموجبون لها وما أجاب به الجمهور، وأشفّ ما يستدلّ به على الوجوب الحديث الثابت بلفظ‏:‏ إن الله أمرنا أن نصلي عليك‏.‏ فكيف نصلي عليك في صلاتنا، فقال‏:‏ «قولوا» الحديث‏.‏ فإن هذا الأمر يصلح للاستدلال به على الوجوب‏.‏ وأما على بطلان الصلاة بالترك ووجوب الإعادة لها فلا، لأن الواجبات لا يستلزم عدمها العدم كما يستلزم ذلك الشروط والأركان‏.‏

واعلم أنه قد ورد في فضل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة لو جمعت لجاءت في مصنف مستقلّ ولو لم يكن منها إلاّ الأحاديث الثابتة في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً» فناهيك بهذه الفضيلة الجليلة والمكرمة النبيلة‏.‏ وأما صفة الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، فقد وردت فيها صفات كثيرة بأحاديث ثابتة في الصحيحين وغيرهما، منها ما هو مقيد بصفة الصلاة عليه في الصلاة، ومنها ما هو مطلق، وهي معروفة في كتب الحديث فلا نطيل بذكرها‏.‏ والذي يحصل به الامتثال لمطلق الأمر في هذه الآية هو أن يقول القائل‏:‏ اللهم صلّ وسلم على رسولك أو على محمد أو على النبيّ، أو اللهم صلّ على محمد وسلم‏.‏

ومن أراد أن يصلي عليه ويسلم عليه بصفة من الصفات التي ورد التعليم بها، والإرشاد إليها فذلك أكمل، وهي صفات كثيرة قد اشتملت عليها كتب السنة المطهرة‏.‏ وسيأتي بعضها آخر البحث‏.‏ وسيأتي الكلام في الصلاة على الآل‏.‏ وكان ظاهر هذا الأمر بالصلاة والتسليم في الآية أن يقول القائل‏:‏ صليت عليه وسلمت عليه، أو الصلاة عليه والسلام عليه، أو عليه الصلاة والتسليم؛ لأن الله سبحانه أمرنا بإيقاع الصلاة عليه والتسليم منا، فالامتثال هو أن يكون ذلك على ما ذكرنا، فكيف كان الامتثال لأمر الله لنا بذلك أن نقول‏:‏ اللهم صلّ عليه وسلم، بمقابلة أمر الله لنا بأمرنا له بأن يصلي عليه ويسلم عليه‏؟‏ وقد أجيب عن هذا بأن هذه الصلاة والتسليم لما كانتا شعاراً عظيماً للنبيّ صلى الله عليه وسلم وتشريفاً كريماً، وكلنا ذلك إلى الله عزّ وجلّ وأرجعناه إليه، وهذا الجواب ضعيف جدّاً‏.‏ وأحسن ما يجاب به أن يقال‏:‏ إن الصلاة والتسليم المأمور بهما في الآية هما أن نقول‏:‏ اللهم صلّ عليه وسلم، أو نحو ذلك مما يؤدّي معناه كما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا، فاقتضى ذلك البيان في الأحاديث الكثيرة‏:‏ أن هذه هي الصلاة الشرعية‏.‏

واعلم أن هذه الصلاة من الله على رسوله، وإن كان معناها‏:‏ الرحمة، فقد صارت شعاراً له يختصّ به دون غيره، فلا يجوز لنا أن نصلي على غيره من أمته‏.‏ كما يجوز لنا أن نقول‏:‏ اللهم ارحم فلاناً، أو رحم الله فلاناً، وبهذا قال جمهور العلماء مع اختلافهم‏:‏ هل هو محرّم، أو مكروه كراهة شديدة، أو مكروه كراهة تنزيه على ثلاثة أقوال‏.‏ وقد قال ابن عباس كما رواه عنه ابن أبي شيبة، والبيهقي في الشعب‏:‏ لا تصلح الصلاة على أحد إلاّ على النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولكن يدعو للمسلمين والمسلمات بالاستغفار‏.‏ وقال قوم‏:‏ إن ذلك جائز لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلواتك سَكَنٌ لَّهُمْ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 103‏]‏ ولقوله‏:‏ ‏{‏أولئك عَلَيْهِمْ صلوات مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 157‏]‏ ولقوله‏:‏ ‏{‏هُوَ الذي يُصَلّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 43‏]‏ ولحديث عبد الله بن أبي أوفى الثابت في الصحيحين وغيرهما قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال‏:‏ «اللهم صلّ عليهم، فأتاه أبي بصدقته فقال‏:‏ اللهم صلّ على آل أبي أوفى» ويجاب عن هذا بأن هذا الشعار الثابت لرسول الله صلى الله عليه وسلم له أن يخص به من شاء‏.‏ وليس لنا أن نطلقه على غيره‏.‏ وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هُوَ الذى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أولئك عَلَيْهِمْ صلوات مّن رَّبْهِمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 157‏]‏ فهذا ليس فيه إلاّ أن الله سبحانه يصلي على طوائف من عباده كما يصلي على من صلى على رسوله مرّة واحدة عشر صلوات، وليس في ذلك أمر لنا، ولا شرعه الله في حقنا، بل لم يشرع لنا إلاّ الصلاة والتسليم على رسوله‏.‏

وكما أن لفظ الصلاة على رسول الله شعار له، فكذا لفظ السلام عليه‏.‏ وقد جرت عادة جمهور هذه الأمة والسواد الأعظم من سلفها وخلفها على الترضي عن الصحابة والترحم على من بعدهم، والدعاء لهم بمغفرة الله وعفوه كما أرشدنا إلى ذلك بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏والذين جَاءُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا ولإخواننا الذين سَبَقُونَا بالإيمان وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 10‏]‏‏.‏

ثم لما ذكر سبحانه ما يجب لرسوله من التعظيم ذكر الوعيد الشديد للذين يؤذونه فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ الله فِي الدنيا والآخرة‏}‏ قيل‏:‏ المراد بالأذى هنا هو فعل ما يكرهانه من المعاصي لاستحالة التأذي منه سبحانه‏.‏ قال الواحدي‏:‏ قال المفسرون‏:‏ هم المشركون واليهود والنصارى وصفوا الله بالولد، فقالوا‏:‏ عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، والملائكة بنات الله، وكذبوا رسول الله، وشجوا وجهه وكسروا رباعيته، وقالوا‏:‏ مجنون، شاعر، كذاب، ساحر‏.‏ قال القرطبي‏:‏ وبهذا قال جمهور العلماء‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ الأذية لله سبحانه بالتصوير، والتعرّض لفعل ما لا يفعله إلاّ الله بنحت الصور وغيرها‏.‏ وقال جماعة‏:‏ إن الآية على حذف مضاف، والتقدير‏:‏ إن الذين يؤذون أولياء الله‏.‏ وأما أذية رسوله فهي‏:‏ كل ما يؤذيه من الأقوال والأفعال، ومعنى اللعنة‏:‏ الطرد والإبعاد من رحمته، وجعل ذلك في الدنيا والآخرة لتشملهم اللعنة فيهما بحيث لا يبقى وقت من أوقات محياهم ومماتهم إلاّ واللعنة واقعة عليهم ومصاحبة لهم ‏{‏وَأَعَدَّ لَهُمْ‏}‏ مع ذلك اللعن ‏{‏عَذَاباً مُّهِيناً‏}‏ يصيرون به في الإهانة في الدار الآخرة لما يفيده معنى الإعداد من كونه في الدار الآخرة‏.‏

ثم لما فرغ من الذمّ لمن آذى الله ورسوله ذكر الأذية لصالحي عباده، فقال‏:‏ ‏{‏والذين يُؤْذُونَ المؤمنين والمؤمنات‏}‏ بوجه من وجوه الأذى من قول أو فعل، ومعنى ‏{‏بِغَيْرِ مَا اكتسبوا‏}‏‏:‏ أنه لم يكن ذلك لسبب فعلوه يوجب عليهم الأذية ويستحقونها به، فأما الأذية للمؤمن والمؤمنة بما كسبه مما يوجب عليه حدّاً أو تعزيراً أو نحوهما، فذلك حق أثبته الشرع، وأمر أمرنا الله به وندبنا إليه، وهكذا إذا وقع من المؤمنين والمؤمنات الابتداء بشتم لمؤمن أو مؤمنة أو ضرب، فإن القصاص من الفاعل ليس من الأذية المحرّمة على أيّ وجه كان، ما لم يجاوز ما شرعه الله‏.‏ ثم أخبر عما لهؤلاء الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا، فقال‏:‏ ‏{‏فَقَدِ احتملوا بهتانا وَإِثْماً مُّبِيناً‏}‏ أي ظاهراً واضحاً لا شك في كونه من البهتان والإثم، وقد تقدّم بيان حقيقة البهتان وحقيقة الإثم‏.‏

وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ‏{‏يُصَلُّونَ عَلَى النبي‏}‏ يبرّكون‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه عن ابن عباس؛ أن بني إسرائيل قالوا لموسى‏:‏ هل يصلي ربك‏؟‏ فناداه ربه‏:‏ يا موسى، سألوك‏:‏ هل يصلي ربك‏؟‏ فقل‏:‏ نعم، أنا أصلي وملائكتي على أنبيائي ورسلي، فأنزل الله على نبيه‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبي‏}‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن مردويه عنه قال‏:‏ إن صلاة الله على النبيّ هي‏:‏ المغفرة، إن الله لا يصلي، ولكن يغفر، وأما صلاة الناس على النبيّ فهي الاستغفار له‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه قرأ‏:‏ «صلوا عليه كما صلى الله عليه وسلم وا تسليماً»‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن كعب بن عجرة قال‏:‏ لما نزلت‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبي‏}‏ الآية، قلنا‏:‏ يا رسول الله، قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏ قولوا اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ‏"‏ وأخرجه البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديثه بلفظ‏:‏ قال رجل‏:‏ يا رسول الله‏:‏ أما السلام عليك فقد علمناه، فكيف الصلاة عليك‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏ قل‏:‏ اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ‏"‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأحمد، والنسائي من حديث طلحة بن عبيد الله قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله كيف الصلاة عليك‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏ قل‏:‏ اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد ‏"‏ وفي الأحاديث اختلاف، ففي بعضها على إبراهيم فقط، وفي بعضها على آل إبراهيم فقط، وفي بعضها بالجمع بينهما كحديث طلحة هذا‏.‏ وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي حميد الساعدي أنهم قالوا‏:‏ يا رسول الله كيف نصلي عليك‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ قولوا‏:‏ اللهم صلّ على محمد وأزواجه وذرّيته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذرّيته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ‏"‏ والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدًّا، وفي بعضها التقييد بالصلاة كما في حديث أبي مسعود عند ابن خزيمة، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه؛ أن رجلاً قال‏:‏ يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا‏؟‏ الحديث‏.‏

وأخرج الشافعي في مسنده من حديث أبي هريرة مثله‏.‏

وجميع التعليمات الواردة عنه صلى الله عليه وسلم في الصلاة عليه مشتملة على الصلاة على آله معه إلاّ النادر اليسير من الأحاديث، فينبغي للمصلي عليه أن يضم آله إليه في صلاته عليه، وقد قال بذلك جماعة، ونقله إمام الحرمين والغزالي قولاً عن الشافعي كما رواه عنهما ابن كثير في تفسيره، ولا حاجة إلى التمسك بقول قائل في مثل هذا مع تصريح الأحاديث الصحيحة به، ولا وجه لقول من قال‏:‏ إن هذه التعليمات الواردة عنه صلى الله عليه وسلم في صفة الصلاة عليه مقيدة بالصلاة في الصلاة حملاً لمطلق الأحاديث على المقيد منها بذلك القيد، لما في حديث كعب بن عجرة وغيره أن ذلك السؤال لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان عند نزول الآية‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «صلوا على أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثهم كما بعثني» وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ‏}‏ الآية قال‏:‏ نزلت في الذين طعنوا على النبيّ صلى الله عليه وسلم حين اتخذ صفية بنت حيي، وروي عنه أنها نزلت في الذين قذفوا عائشة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏59- 68‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏59‏)‏ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏60‏)‏ مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا ‏(‏61‏)‏ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ‏(‏62‏)‏ يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ‏(‏63‏)‏ إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا ‏(‏64‏)‏ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ‏(‏65‏)‏ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا ‏(‏66‏)‏ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ‏(‏67‏)‏ رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا ‏(‏68‏)‏‏}‏

لما فرغ سبحانه من الزجر لمن يؤذي رسوله والمؤمنين والمؤمنات من عباده أمر رسوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ بأن يأمر بعض من ناله الأذى ببعض ما يدفع ما يقع عليه منه، فقال‏:‏ ‏{‏ياأيها النبي قُل لأزواجك وبناتك وَنِسَاء المؤمنين يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن‏}‏ «من» للتبعيض، والجلابيب جمع جلباب، وهو‏:‏ ثوب أكبر من الخمار‏.‏ قال الجوهري‏:‏ الجلباب الملحفة، وقيل‏:‏ القناع، وقيل‏:‏ هو ثوب يستر جميع بدن المرأة، كما ثبت في الصحيح من حديث أم عطية أنها قالت‏:‏ يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب، فقال‏:‏ «لتلبسها أختها من جلبابها»، قال الواحدي‏:‏ قال المفسرون‏:‏ يغطين وجوههنّ ورؤوسهنّ إلاّ عيناً واحدة، فيعلم‏:‏ أنهنّ حرائر فلا يعرض لهنّ بأذى‏.‏ وقال الحسن‏:‏ تغطي نصف وجهها‏.‏ وقال قتادة‏:‏ تلويه فوق الجبين وتشدّه ثم تعطفه على الأنف، وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه، والإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ إلى إدناء الجلابيب، وهو مبتدأ وخبره ‏{‏أدنى أَن يُعْرَفْنَ‏}‏ أي أقرب أن يعرفن، فيتميزن عن الإماء، ويظهر للناس أنهنّ حرائر ‏{‏فَلاَ يُؤْذَيْنَ‏}‏ من جهة أهل الريبة بالتعرض لهنّ مراقبة لهنّ، ولأهلهنّ وليس المراد بقوله‏:‏ ‏{‏ذلك أدنى أَن يُعْرَفْنَ‏}‏ أن تعرف الواحدة منهن من هي، بل المراد‏:‏ أن يعرفن أنهنّ حرائر لا إماء؛ لأنهنّ قد لبسن لبسة تختص بالحرائر ‏{‏وَكَانَ الله غَفُوراً‏}‏ لما سلف منهنّ من ترك إدناء الجلابيب ‏{‏رَّحِيماً‏}‏ بهنّ، أو غفوراً لذنوب المذنبين رحيماً بهم، فيدخلن في ذلك دخولاً أوّلياً‏.‏

ثم توعد سبحانه أهل النفاق والإرجاف، فقال‏:‏ ‏{‏لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون‏}‏ عما هم عليه من النفاق ‏{‏والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ‏}‏ أي شك وريبة عما هم عليه من الاضطراب ‏{‏والمرجفون فِي المدينة‏}‏ عما يصدر منهم من الإرجاف بذكر الأخبار الكاذبة المتضمنة لتوهين جانب المسلمين وظهور المشركين عليهم‏.‏ قال القرطبي‏:‏ أهل التفسير على أن الأوصاف الثلاثة لشيء واحد، والمعنى‏:‏ أن المنافقين قد جمعوا بين النفاق ومرض القلوب، والإرجاف على المسلمين، فهو على هذا من باب قوله‏:‏

إلى الملك القرم وابن الهمام *** وليث الكتيبة في المزدحم

أي إلى الملك القرم بن الهمام ليث الكتيبة‏.‏ وقال عكرمة وشهر بن حوشب‏:‏ ‏{‏الذين في قلوبهم مرض‏}‏ هم‏:‏ الزناة‏.‏ والإرجاف في اللغة‏:‏ إشاعة الكذب والباطل، يقال‏:‏ أرجف بكذا‏:‏ إذا أخبر به على غير حقيقة لكونه خبرًا متزلزلاً غير ثابت، من الرجفة وهي الزلزلة‏.‏ يقال‏:‏ رجفت الأرض، أي تحركت وتزلزلت ترجف رجفاً، والرجفان‏:‏ الاضطراب الشديد، وسمي البحر رجافاً لاضطرابه، ومنه قول الشاعر‏:‏

المطعمون اللحم كل عشية *** حتى تغيب الشمس في الرجاف

والإرجاف واحد الأراجيف، وأرجفوا في الشيء خاضوا فيه، ومنه قول شاعر‏:‏

فإنا وإن عيرتمونا بقلة *** وأرجف بالإسلام باغ وحاسد

وقول الآخر‏:‏

أبالأراجيف يابن اللوم توعدني *** وفي الأراجيف خلت اللؤم والخورا

وذلك بأن هؤلاء المرجفين كانوا يخبرون عن سرايا المسلمين بأنهم هزموا، وتارة بأنهم قتلوا، وتارة بأنهم غلبوا، ونحو ذلك مما تنكسر له قلوب المسلمين من الأخبار، فتوعدهم الله سبحانه بقوله‏:‏ ‏{‏لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ لنسلطنك عليهم فتستأصلهم بالقتل والتشريد بأمرنا لك بذلك‏.‏ قال المبرد‏:‏ قد أغراه الله بهم في قوله بعد هذه الآية‏:‏ ‏{‏مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً‏}‏ فهذا فيه معنى‏:‏ الأمر بقتلهم وأخذهم‏:‏ أي هذا حكمهم إذا كانوا مقيمين على النفاق والإرجاف‏.‏ قال النحاس‏:‏ وهذا من أحسن ما قيل في الآية‏.‏ وأقول ليس هذا بحسن ولا أحسن، فإن قوله‏:‏ ‏{‏ملعونين‏}‏ إلخ، إنما هو لمجرّد الدعاء عليهم لا أنه أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بقتالهم ولا تسليط لهم عليهم، وقد قيل‏:‏ إنهم انتهوا بعد نزول هذه الآية عن الإرجاف، فلم يغره الله بهم، وجملة‏:‏ ‏{‏لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ‏}‏ جواب القسم، وجملة ‏{‏ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏ معطوفة على جملة جواب القسم، أي لا يجاورونك فيها إلاّ جواراً قليلاً حتى يهلكوا، وانتصاب ‏{‏مَّلْعُونِينَ‏}‏ على الحال كما قال المبرد، وغيره، والمعنى‏:‏ مطرودين ‏{‏أَيْنَمَا‏}‏ وجدوا وأدركوا ‏{‏أُخِذُواْ وَقُتّلُواْ‏}‏ دعاء عليهم بأن يؤخذوا ويقتلوا ‏{‏تَقْتِيلاً‏}‏ وقيل‏:‏ إن هذا هو الحكم فيهم، وليس بدعاء عليهم، والأوّل أولى‏.‏ وقيل‏:‏ معنى الآية‏:‏ أنهم إن أصرّوا على النفاق لم يكن لهم مقام بالمدينة إلاّ وهم مطرودون‏.‏

‏{‏سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ‏}‏ أي سنّ الله ذلك في الأمم الماضية، وهو لعن المنافقين وأخذهم وتقتيلهم، وكذا حكم المرجفين، وهو منتصب على المصدر‏.‏ قال الزجاج‏:‏ بين الله في الذين ينافقون الأنبياء، ويرجفون بهم‏:‏ أن يقتلوا حيثما ثقفوا ‏{‏وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً‏}‏ أي تحويلاً وتغييراً، بل هي ثابتة دائمة في أمثال هؤلاء في الخلف والسلف‏.‏

‏{‏يَسْئَلُكَ الناس عَنِ الساعة‏}‏ أي عن وقت قيامها وحصولها قيل‏:‏ السائلون عن الساعة هم أولئك المنافقون، والمرجفون لما توعدوا بالعذاب سألوا عن الساعة استبعاداً، وتكذيباً ‏{‏وَمَا يُدْرِيكَ‏}‏ يا محمد، أي ما يعلمك ويخبرك ‏{‏لَعَلَّ الساعة تَكُونُ قَرِيباً‏}‏ أي في زمان قريب، وانتصاب ‏{‏قريباً‏}‏ على الظرفية، والتذكير لكون الساعة في معنى اليوم أو الوقت مع كون تأنيث الساعة ليس بحقيقي، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم لبيان أنها إذا كانت محجوبة عنه لا يعلم وقتها وهو‏:‏ رسول الله، فكيف بغيره من الناس‏؟‏ وفي هذا تهديد لهم عظيم‏.‏

‏{‏إِنَّ الله لَعَنَ الكافرين‏}‏ أي طردهم وأبعدهم من رحمته ‏{‏وَأَعَدَّ لَهُمْ‏}‏ في الآخرة مع ذلك اللعن منه لهنّ في الدنيا ‏{‏سَعِيراً‏}‏ أي ناراً شديدة التسعر ‏{‏خالدين فِيهَا أَبَداً‏}‏ بلا انقطاع ‏{‏لاَّ يَجِدُونَ وَلِيّاً‏}‏ يواليهم ويحفظهم من عذابها ‏{‏وَلاَ نَصِيراً‏}‏ ينصرهم ويخلصهم منها، «ويوم» في قوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النار‏}‏ ظرف لقوله‏:‏ ‏{‏لا يجدون‏}‏، وقيل‏:‏ ل ‏{‏خالدين‏}‏، وقيل‏:‏ ل ‏{‏نصيرا‏}‏، وقيل‏:‏ لفعل مقدر، وهو‏:‏ اذكر‏.‏

قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏تقلب‏}‏ بضم التاء وفتح اللام على البناء للمفعول‏.‏ وقرأ عيسى الهمداني وابن أبي إسحاق «نقلب» بالنون، وكسر اللام على البناء للفاعل، وهو الله سبحانه‏.‏ وقرأ عيسى أيضاً بضم التاء وكسر اللام على معنى‏:‏ تقلب السعير وجوههم‏.‏ وقرأ أبو حيوة وأبو جعفر وشيبة بفتح التاء واللام على معنى‏:‏ تتقلب، ومعنى هذا التقلب المذكور في الآية‏:‏ هو تقلبها تارة على جهة منها، وتارة على جهة أخرى ظهراً لبطن، أو تغير ألوانهم بلفح النار فتسودّ تارة وتخضرّ أخرى، أو تبديل جلودهم بجلود أخرى، فحينئذ ‏{‏يَقُولُونَ ياليتنا أَطَعْنَا الله وَأَطَعْنَا الرسولا‏}‏ والجملة مستأنفة كأنه قيل‏:‏ فما حالهم‏؟‏ فقيل‏:‏ يقولون، ويجوز‏:‏ أن يكون المعنى‏:‏ يقولون يوم تقلب وجوههم في النار ‏{‏ياليتنا‏}‏ إلخ‏.‏ تمنوا أنهم أطاعوا الله والرسول، وآمنوا بما جاء به؛ لينجوا مما هم فيه من العذاب كما نجا المؤمنون، وهذه الألف في ‏{‏الرسولا‏}‏، والألف التي ستأتي في ‏{‏السبيلا‏}‏ هي‏:‏ الألف التي تقع في الفواصل، ويسميها النحاة ألف الإطلاق، وقد سبق بيان هذا في أوّل هذه السورة‏.‏

‏{‏وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا‏}‏ هذه الجملة معطوفة على الجملة الأولى، والمراد بالسادة والكبراء‏:‏ هم الرؤساء والقادة الذين كانوا يمتثلون أمرهم في الدنيا ويقتدون بهم، وفي هذا زجر عن التقليد شديد، وكم في الكتاب العزيز من التنبيه على هذا والتحذير منه والتنفير عنه، ولكن لمن يفهم معنى كلام الله ويقتدي به وينصف من نفسه، لا لمن هو من جنس الأنعام في سوء الفهم ومزيد البلادة وشدّة التعصب‏.‏ وقرأ الحسن وابن عامر‏:‏ «ساداتنا» بكسر التاء جمع سادة فهو جمع الجمع‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ هم‏:‏ المطعمون في غزوة بدر، والأوّل أولى، ولا وجه للتخصيص بطائفة معينة ‏{‏فَأَضَلُّونَا السبيلا‏}‏ أي عن السبيل بما زينوا لنا من الكفر بالله ورسوله، والسبيل هو‏:‏ التوحيد، ثم دعوا عليهم في ذلك الموقف، فقالوا‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العذاب‏}‏ أي مثل عذابنا مرتين‏.‏ وقال قتادة‏:‏ عذاب الدنيا والآخرة، وقيل‏:‏ عذاب الكفر وعذاب الإضلال ‏{‏والعنهم لَعْناً كَبِيراً‏}‏ قرأ الجمهور‏:‏ «كثيراً» بالمثلثة، أي لعناً كثير العدد عظيم القدر شديد الموقع، واختار هذه القراءة أبو حاتم وأبو عبيد والنحاس‏.‏ وقرأ ابن مسعود وأصحابه ويحيى بن وثاب وعاصم بالباء الموحدة، أي كبيراً في نفسه شديداً عليهم ثقيل الموقع‏.‏

وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قال‏:‏ خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر، فقال‏:‏ يا سودة أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين‏؟‏ قال‏:‏ فانكفأت راجعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عرق، فدخلت وقالت‏:‏ يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا‏.‏ فأوحي إليه ثم رفع عنه، وإن العرق في يده ما وضعه، فقال‏:‏ «إنه قد أذن لكنّ أن تخرجن لحاجتكنّ»، وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك قال‏:‏ كان نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم يخرجن بالليل لحاجتهن، وكان ناس من المنافقين يتعرّضون لهن فيؤذين، فقيل ذلك للمنافقين، فقالوا‏:‏ إنما نفعله بالإماء، فنزلت هذه‏:‏ ‏{‏ياأيها النبي قُل لأزواجك‏}‏ الآية‏.‏

وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي قال‏:‏ كان رجل من المنافقين يتعرّض لنساء المؤمنين يؤذيهنّ، فإذا قيل له قال‏:‏ كنت أحسبها أمة، فأمرهن الله أن يخالفن زيّ الإماء ويدنين عليهن من جلابيبهن تخمر وجهها إلاّ إحدى عينيها ‏{‏ذلك أدنى أَن يُعْرَفْنَ‏}‏ يقول‏:‏ ذلك أحرى أن يعرفن‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في هذه الآية قال‏:‏ أمر الله نساء المؤمنات إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههنّ من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أمّ سلمة قالت‏:‏ لما نزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن‏}‏ خرج نساء الأنصار كأن رؤوسهنّ الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها، هكذا في الزوائد بلفظ من السكينة، وليس لها معنى، فإن المراد تشبيه الأكسية السود بالغربان، لا أن المراد وصفهن بالسكينة كما يقال‏:‏ كأن على رؤوسهم الطير‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت‏:‏ رحم الله نساء الأنصار، لما نزلت ‏{‏ياأيها النبي قُل لأزواجك‏}‏ الآية‏.‏ شقن مروطهن، فاعتجرن بها، وصلين خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما على رؤوسهنّ الغربان‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ كانت الحرّة تلبس لباس الأمة، فأمر الله نساء المؤمنين‏:‏ أن يدنين عليهن من جلابيبهن، وإدناء الجلباب‏:‏ أن تقنع وتشدّه على جبينها‏.‏

وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب في قوله‏:‏ ‏{‏لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون‏}‏ يعني‏:‏ المنافقين بأعيانهم ‏{‏والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ‏}‏ شك‏:‏ يعني المنافقين أيضاً‏.‏ وأخرج ابن سعد أيضاً عن عبيد بن جبير قال‏:‏ ‏{‏الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ والمرجفون فِي المدينة‏}‏ هم‏:‏ المنافقون جميعاً‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ‏}‏ قال‏:‏ لنسلطنك عليهم‏.‏